كشفت محادثات "تامبا" عن الفجوة بين وعود بيروت واستراتيجية "حزب الله" للبقاء. فقد سلّطت المحادثات العسكرية الأخيرة التي رعتها الولايات المتحدة في ولاية فلوريدا الضوء على استراتيجية واشنطن تجاه لبنان، كاشفة عن دورة مألوفة من الوعود غير المنفذة والفجوة الخطيرة بين التزامات بيروت العلنية وتغلغل "حزب الله" في الدولة العميقة. ووفقًا لمسؤولين أميركيين ومصادر دبلوماسية، تواجه الولايات المتحدة الآن واقعًا واضحًا: تعهدات لبنان بتفكيك القدرات المسلحة لـ "حزب الله" لم تتحول إلى تغييرات قابلة للتحقق ولا عودة فيها، وهي تغييرات تراها واشنطن ضرورية للاستقرار والانتقال إلى مراحل أخرى. ففي جوهر محادثات "تامبا" التي عُقدت في مقر القيادة المركزية الأميركية هذا الأسبوع، كان السؤال الأساسي هو كيفية تنفيذ صيغة الإطار الثلاثي الذي تم الاتفاق عليه في حزيران الماضي. وتلفت المصادر الأميركية إلى أن هذا الاتفاق، رغم أنه يربط بين نزع سلاح "حزب الله" واستعادة السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، إلا أنه يوفر طريقًا للخروج من دائرة الصراع المستمرة The Vicious Circle. غير أن المصادر أشارت إلى أن المناقشات العسكرية كشفت بسرعة عن خلافات جوهرية حول آليات التحقق والقدرة الفعلية أو الإرادة الحقيقية للسلطات اللبنانية في مواجهة "حزب الله". وصف مسؤول عسكري أميركي مطلع على سير المحادثات بأنها "صريحة لكنها غير حاسمة they are arguing semantics"، مشيرًا إلى إصرار الجانب اللبناني على إنهاء الأعمال العسكرية الإسرائيلية والانسحاب السريع، في حين أصرت إسرائيل على تقديم أدلة ملموسة على نزع سلاح "حزب الله" في مناطق تجريبية محددة. أما الموقف الأميركي، فقد أكده المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت بشكل لا يقبل المساومة، مشددًا على أن واشنطن تطالب لبنان بتنفيذ التزاماته القائمة، وبالأخص "النزع الكامل والموثّق للسلاح" من الجماعات المسلحة غير الحكومية مثل "حزب الله"، دون أي حلول دستورية جديدة أو صفقات إقليمية؛ لافتًا في السياق عينه إلى عدم وجود "أي اقتراح أميركي - تركي بشأن لبنان، ولا توجد أي مقترحات أميركية لتغيير البنية السياسية اللبنانية التي أرساها اتفاق الطائف". فبحسب مسؤولين أميركيين، المشكلة الحقيقية ليست في غياب الاتفاقات، بل في غياب التنفيذ القابل للتحقق. وتقول المصادر إن صيغة الإطار الثلاثي تتجاوز مجرد جمع الصواريخ أو نشر الجنود؛ فهي تشترط ألا تحتفظ الجماعات المسلحة غير الحكومية "بأي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة في أي مكان في لبنان". من هنا تؤكد المصادر أن التفكيك لا يقل أهمية عن نزع السلاح: يجب تدمير هياكل القيادة والقنوات المالية وشبكات الاستخبارات التي تُمكّن "حزب الله" من إعادة بناء نفسه، وليس فقط إخفاء الأسلحة. ومع ذلك، يعترف المسؤولون الأميركيون بأن جهود بيروت كانت جزئية في أفضل الأحوال. فقد أورد معهد دراسة الحرب أن الجيش اللبناني نفذ مداهمات وانتشارًا أمنيًا بعد اضطرابات مرتبطة بـ"حزب الله"، لكنه أشار أيضًا إلى أوجه قصور واضحة، مثل فشل الحكومة في السماح للجيش بتفتيش الممتلكات الخاصة، حيث من المرجح أن تُخفى الأسلحة. واعتبر أن فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أفراد، بينهم مسؤولون أمنيون حاليون، بتهمة عرقلة السلام ومشاركة معلومات مع "حزب الله"، إشارة إلى أن القلق الأميركي من تغلغل "الحزب" في مؤسسات الدولة ليس نظريًا، بل أصبح سياسة عملية. وكما قال أحد الدبلوماسيين الأميركيين: "لبنان لا يقف مكتوف الأيدي، لكنه يفعل فقط ما يكفي لتفادي العواقب الحقيقية، بينما تبقى شبكات "حزب الله" الأساسية دون مساس". هذا النمط من التنفيذ الانتقائي، وليس التحدي الصريح، هو أكثر ما يثير إحباط المسؤولين الأميركيين. ويرى خبراء أميركيون أن مرونة "حزب الله" تعود ليس فقط إلى ترسانته، بل إلى تغلغله في مؤسسات الدولة اللبنانية وقدرته على استغلال كل فترة جمود دبلوماسي. وقد وثقت التقييمات الاستخباراتية الأميركية كيف ساعد الحرس الثوري الإيراني "حزب الله" في إعادة بناء هياكل القيادة، وتدريب المقاتلين، وتأسيس خلايا أكثر لامركزية منذ عام 2024، ما سمح للحزب بالعودة إلى ساحة المواجهة. ويشير الخبراء الأميركيون إلى أن استراتيجية "حزب الله" للبقاء تتجاوز الوسائل العسكرية. فهو يستغل المساعدات والإعمار المموّل من الدولة لاستعادة نفوذه بين بيئته، بينما يقوم عملاؤه بنقل الأموال عبر شبكات تمتد من لبنان إلى تركيا والإمارات وإيران، متجاوزين القنوات المصرفية الرسمية والعقوبات. ويلفت الخبراء إلى حذر المسؤولين الأميركيين من أن كل تأخير في التنفيذ يسمح لـ"حزب الله" بإعادة بناء قدراته وتعزيز التبعيات التي تجعل أسلحته غير قابلة للمساس سياسيًا. من هنا اعتبر مسؤول في البنتاغون أن "منظم