جبران ونعيمه: بين حدّة النقد وإنصاف التجربة أعضاء "الرابطة القلمية": (من اليمين) ميخائيل نعيمه وعبد المسيح حداد وجبران ونسيب عريضة (إنترنت) لم تكن العلاقة بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمه مجرّد صداقة جمعت أديبَين في المهجر، بل كانت مساحة تفاعلت فيها الرؤية الأدبية مع الموقف النقدي، وتجاورت فيها حرارة الوجدان مع صرامة المساءلة. لذلك، فإنّ قراءة هذه العلاقة بمنطق المفاضلة أو الخصومة تُفقدها جانبًا أساسيًا من معناها؛ إذ لا تُعدّ حدّة الناقد في بعض المواضع دليلا على رفضه تجربة صديقه، كما لا تعني إشادته بعمل أدبي موافقته على كل ما يكتبه صاحبه. تأسست "الرابطة القلمية" في نيويورك في 28 نيسان 1920، وانتُخب جبران عميدًا لها، فيما تولّى نعيمه موقع المستشار. ولم تكن "الرابطة" إطارًا تنظيميًا فحسب، بل مثّلت محطة بارزة في تطوّر الأدب العربي الحديث في المهجر، حيث سعى أدباؤها إلى تجاوز القوالب الموروثة وتوسيع آفاق التعبير، من غير أن تتطابق رؤاهم في كل مسألة أدبية أو لغوية. كان جبران يميل إلى الرمز والتأمّل الوجداني، ويستثمر الصورة في التعبير عن أسئلته الوجودية والإنسانية، فيما اتجه نعيمه إلى مساءلة النصوص ووضع معايير للنقد الأدبي، وهو ما تجلّى بوضوح في كتابه "الغربال"، الصادر في القاهرة عام 1923. ولا يعني اختلاف المنطلقات أن أحدهما كان نقيض الآخر؛ فقد كان اختلافهما جزءًا من حيوية التجربة الأدبية التي جمعتهما. لم يكن "الغربال" كتابًا في التنظير النقدي وحده، بل تضمّن قراءات تطبيقية لأعمال أدبية، من بينها كتابا جبران "السابق" و "العواصف". وتتيح قراءة هذه النصوص فهم موقف نعيمه من أدب صديقه بعيدًا من الأحكام المطلقة التي تختزل العلاقة في الإعجاب أو الرفض. في تناوله كتاب "السابق"، تتداخل الصلة الشخصية بالعمل النقدي، وهي مسألة تستحق الانتباه عند تقويم أحكام نعيمه. فالصداقة قد تؤثر في زاوية النظر، لكنها لا تلغي بالضرورة استقلال الناقد أو قدرته على مساءلة النص. وفي المقابل، لا يكفي افتراض وجود معايير نقدية لإثبات أن الأحكام جميعها كانت بمنأى عن التأثّر الشخصي. لذلك، فإن تحديد طبيعة نقد نعيمه لجبران يقتضي الوقوف عند الحجج والأمثلة التي يستند إليها في أحكامه، لا الاكتفاء بوصف عام للعلاقة بينهما. أما في حديثه عن "العواصف"، فقد عبّر نعيمه عن تقديره للحضور اللبناني في أدب جبران، ورأى في كتاباته قدرة على نقل روح الوطن وملامحه إلى اللغة. وتكشف هذه الإشادة عن جانب مهم من قراءته لتجربة جبران، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جميع ملاحظاته النقدية في الكتاب، ولا تعني موافقته على كل خيارات صاحبه الفنية والفكرية. إن قيمة "الغربال" لا تنبع من حدّة بعض أحكامه وحدها، بل من إصراره على أن النص الأدبي ليس بمنأى عن النقد، حتى عندما يكون صاحبه صديقًا مقرّبًا. فالمجاملة لا تصنع نقدًا، كما أن القسوة في الحكم لا تكفي وحدها لإثبات موضوعيته؛ والمعيار الحقيقي هو الحجة التي يسند بها الناقد رأيه، ومدى اتصالها بالنص الذي يقرؤه. من أبرز الشواهد على طبيعة العلاقة بين الرجلين موقف نعيمه من استعمال جبران كلمة "تحمّمت" في قصيدته "المواكب"، بدلا من "استحممت". فقد أثار هذا الاستعمال نقاشًا لغويًا، لكن نعيمه لم يتعامل معه بوصفه مسألة تُحسم بالرجوع إلى القاموس وحده، بل جعله مدخلا للدفاع عن حيوية اللغة وقدرتها على التطوّر. وفي مقال "نقيق الضفادع"، الذي كتبه انتصارًا لصديقه جبران في قضية "تحمّم" المشهورة، ناقش نعيمه الاعتراض على اللفظة، مستندًا إلى الفرق بين الاستعمال القاموسي وإمكان دخول ألفاظ جديدة إلى اللغة. وتقوم حجته على أن تداول الكلمة وقبولها قد يمنحانها مكانًا في اللغة، وأن اللغة لا تتوقف عند حدود ما استقرّ في المعاجم. لا يقتصر هذا الموقف على الدفاع عن مفردة اختارها شاعر؛ إنه يكشف عن تصوّر للّغة بوصفها كائنًا حيًا يتطوّر بالاستخدام، لا مجموعة مغلقة من القواعد والمعاجم. فالكلمة لا تكتسب مشروعيتها الأدبية من ورودها في القاموس وحده، بل من قدرتها على أداء المعنى، ومن قبولها في الاستعمال واستقرارها في التداول. وهنا تتضح إحدى النقاط المهمّة في فكر نعيمه النقدي: لم يكن اعتراضه على الجمود اللغوي أقل أهمية من اعتراضه على الجمود الأدبي. ففي قضية "تحمّمت"، دافع عن حق اللغة في التجدّد، وعن إمكان أن يقترح الأديب استعمالا جديدًا بدلا من الاكتفاء بما ورثه من صيغ. وهذا الموقف شاهد على أن النقد عند نعيمه لم يكن خصومة دائمة مع جبران، وأن الصداقة لم تمنعه من الدفاع عن اختيار أدبي رآه جديرًا بالدفاع. في حديثه عن أدب جبران، كتب نعيمه: "في منثورات جبران ومنظوماته سمعت أنباض لبنان وسمعت خفقان قلبه". وهي عبارة تكشف عن تقديره لقدرة جبران على نقل روح المكان إلى الأدب، بحيث لا يبقى لبنان خلفية ج