في الذكرى العشرين لرحيل زاهي بستاني، نستعيد مسيرة رجل استثنائي اختار طريقه عن قناعة، وسخّر ذكاءه وطاقاته لخدمة الدولة والدفاع عن سيادة لبنان وكرامته. رجلٌ جمع بين الثقافة الواسعة والرؤية الثاقبة، وبين النزاهة والتواضع والصلابة في المبادئ. كان كتومًا، مستقيمًا، نظيف الكف، يحترم قناعات الآخرين ويصغي إليهم، لكنه لم يساوم يومًا على قناعاته، ولم يسمح للمصالح الشخصية بأن تتقدّم على ما آمن به. لم ينتسب زاهي إلى أي حزب سياسي، رغم أنه أسّس، وهو في الرابعة عشرة من عمره، حركة وطنية جمعت عددًا من شباب دير القمر، أصبح كثيرون منهم لاحقًا من الشخصيات البارزة في الحياة العامة اللبنانية. درس الحقوق، وكان طريق المحاماة مفتوحًا أمامه، في ظلّ إرث عائلي عريق في القضاء والمحاماة، فوالده تبوّأ منصبي نائب العام التمييزي ورئيس مجلس شورى الدولة، وشقيقه ناجي أسّس أحد أبرز مكاتب المحاماة. غير أن زاهي اختار مسارًا مختلفًا، فصفّى شركته الخاصة للإعلانات والتحق بسلك الأمن العام، حيث تدرّج من رتبة مفوّض إلى منصب المدير العام. بدأ مسيرته متصدّرًا دورته، ثم تابع تدريبًا متخصصًا في مدرسة سان سير في مون دور قرب ليون، إلى جانب تسعة مفوّضين آخرين. وبعد عودته إلى لبنان، كُلّف تولّي شعبة المعلومات، فوجد فيها المجال الذي أتاح له إبراز قدراته التنظيمية والأمنية. كان شغوفًا بعمله، لا يرضى إلا بالدقة والاتقان. شكّل فريقًا متماسكًا، وأرسى أسلوبًا مبتكرًا في جمع المعلومات وتحليلها والتدقيق فيها، مع حرص شديد على سرية المصادر وحماية المخبرين. وكانت الاجتماعات الدورية لفريقه مناسبة لمناقشة التقارير ومقارنتها واستخلاص النتائج منها. وبفضل خبرته ونهجه، أصبح مرجعًا لأجيال من الضباط والمفوّضين الذين وجدوا فيه نموذجًا للمهنية والانضباط واحترام المسؤولية. في 16 آذار 1976، حين احتلّ عناصر منشقة عن الجيش اللبناني وفلسطينيون مبنى المديرية العامة للأمن العام، بذل زاهي كل ما في وسعه لإنقاذ المحفوظات السرية، وانتقل مع عدد من الموظفين إلى مبنى قوى الأمن الداخلي، بعدما لجأ المدير العام، العقيد أنطوان دحداح، إلى منطقة الكفور برفقة الرئيس سليمان فرنجية. شكّلت تلك الأحداث بداية مرحلة دقيقة، كان التحدّي الأساسي فيها ضمان استمرارية عمل الأمن العام والحفاظ على مؤسساته وموظفيه. وبفضل علاقته بالرئيس كميل شمعون، وزير الداخلية آنذاك، نجح زاهي في تأمين مقرّ في قصر شقير بالأشرفية، جمع الموظفين وأتاح للمديرية مواصلة مهامها. وقد تولّى بنفسه متابعة أدقّ التفاصيل الإدارية والأمنية والتنظيمية. وبعد انتخاب الياس سركيس رئيسًا للجمهورية وتعيين الأمير فاروق أبي اللمع مديرًا عامًا للأمن العام، رأى الأخير في زاهي ركيزة أساسية لتطوير المؤسسة، فأفسح له المجال لمتابعة إعادة تنظيمها، وتوزيع المسؤوليات، وتعزيز علاقاتها مع الجهات السياسية والأمنية والدبلوماسية. فرض زاهي حضوره في الأوساط السياسية بفضل شخصيته وذكائه ونزاهته، وأصبح محاورًا يحظى باحترام مختلف الأطراف، حتى من اختلفوا معه في الرأي. وكان بعيدًا عن المناورات والصغائر، منصرفًا إلى تنظيم الدوائر، وتأمين سلامة الموظفين، وضبط إقامة الأجانب في لبنان، ولا سيما الفلسطينيين، من خلال تدابير مشدّدة هدفت إلى تقليص أعداد المسجّلين منهم. ولم يقتصر اهتمامه على إدارة شؤون المؤسسة، بل حرص على إعداد جيل جديد من الضباط الشبان، مؤمن بأن الولاء يجب أن يكون للدولة وحدها، وأن النزاهة والكفاءة والانضباط هي الأسس التي يقوم عليها العمل العام. في تلك الظروف، تعرّف بشير الجميّل على زاهي في مكتبه في الأمن العام، وتوطّدت العلاقة بينهما تدريجيًا حتى أصبح مستشاره الأول وأحد أقرب المقرّبين إليه. رأى زاهي في بشير الرجل القادر على إعادة بناء لبنان الذي حلم به: لبنان السيّد، المستقل، القوي بمؤسساته، والخالي من الفساد. وأثارت هذه العلاقة تساؤلات كثيرة في الأوساط السياسية، ولا سيما أن زاهي لم يكن منتسبًا إلى حزب "الكتائب" أو "القوات اللبنانية". لكن بشير كان يدرك أن زاهي يتعامل مع القضايا الوطنية من موقع قناعاته، بعيدًا من الانتماءات الحزبية، مع احتفاظه باحترام كبير لقادة الأحزاب وتقديره لتضحياتهم. ولعلّ من أبلغ الشواهد على عمق الصداقة التي جمعتهما إصرار بشير على السفر إلى فرنسا في آب 1978 لحضور زفاف زاهي، متحدّيًا المخاطر الأمنية التي كانت تحيط به آنذاك. ومع مرور السنوات، ازداد اقتناع زاهي بأن بشير قادر على الوصول إلى رئاسة الجمهورية. فشجّعه على خوض هذا الاستحقاق، وكان من أبرز الذين وضعوا استراتيجية حملته، وخطّطوا لها وعملوا على إنجاحها. وفي ظلّ تصاعد دور بشير وما أبداه من تصميم على استعادة سيادة الدولة، سعى الرئيس الياس سركيس ومدير المخابرات العقيد جوني عبده إلى إيجاد أرضية تفاهم