لبنان في مهب التحولات: قراءة استراتيجية في معادلات الطاقة وأزمات البقاء المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني يقف لبنان أمام لحظة فارقة تشتبك فيها أزماته الاقتصادية والمالية مع التحولات الجيوسياسية والاعتداءات العسكرية التي يشنها العدو الإسرائيلي، لتضع البلاد أمام استحقاق وجودي يرتبط بمدى قدرتها على صياغة استراتيجية بقاء متماسكة. إن القراءة المتأنية للمشهد الممتد بين محاولات الإنقاذ الطاقوي وعقبات التنقيب البحري، مروراً بضغوط السياسة النقدية والتزامات الدين الخارجي، تؤكد أن الأزمة اللبنانية تتجاوز البعد المحلي لتصبح جزءاً من إعادة تشكيل خريطة التوازنات والممرات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المترامي، يتضح أن المبادرات الإقليمية وحلول الطاقة المقترحة تعاني من حالة شلل بانتظار تبدد غبار المواجهات العسكرية واستقرار الترتيبات الأمنية والسياسية المقترنة بها. تتجلى أزمة الطاقة كإحدى أبرز ساحات هذا الاشتباك الاستراتيجي، إذ تمثل المبادرة القطرية لقطاع الكهرباء المعروفة بالبرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة محاولة متكاملة لبناء محطتين تعملان بالغاز في دير عمار والزهراني بقدرة إنتاجية عالية، مترافقة مع عقد طويل الأجل لتوريد الغاز المسال وإنشاء وحدة عائمة لتخزينه وتغزيته. غير أن هذه المبادرة المعتمدة على آلية التمويل الخاص للحد من الأعباء المالية عن الخزينة العامة تظل معلقة بشرط وقف العدوان وتوفير ضمانات حماية أمنية دولية للمنشآت المقترحة للحد من المخاطر الناجمة عن القصف والاعتداءات المباشرة. ويوازي ذلك تحول ملموس في ملف التنقيب عن الثروات البحرية؛ فبعد الجمود الذي طرأ على البلوك رقم تسعة عقب النتائج غير التجارية لبئر قانا، اتجه الرهان الاستراتيجي نحو البلوك رقم ثمانية المحاذي للحدود الجنوبية بموجب رخصة الاستكشاف الممنوحة لائتلاف شركات توتال إنيرجيز وإيني وقطر للطاقة. ورغم تحديد جدول زمني للمسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد وتقييم الهياكل الجيولوجية قبل اتخاذ قرار الحفر الاستكشافي، يتلقى هذا المسار ضربة قاسية بفعل تصنيف المياه الجنوبية كمنطقة عمليات عسكرية، مما يحرم الشركات العالمية من إرسال منصات الحفر أو إتمام مراحل التقييم ضمن المهام المحددة. إن البعد الثالث المتمثل في التداعيات الاقتصادية المباشرة للعدوان المستمر يظهر حجم الخسائر الهيكلية الناجمة عن استهداف البنى التحتية، والانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع الأنشطة الاقتصادية والخدمية حيال المخاطر المرتفعة. وينعكس ذلك على تصاعد كلفة المخاطر المالية وتعطيل الشراكات الدولية، فضلاً عن تهديد موقع لبنان اللوجستي وخطر تحوله من نقطة تواصل واستقطاب تجاري إلى منطقة معزولة خارج ممرات النقل الممتدة بين الإقليم والعالم. وفي موازاة ذلك، تجد الدبلوماسية اللبنانية نفسها أمام ضرورة التحرك ضمن هامش ضيق لتأمين شراكات إقليمية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار؛ فيبرز التعاون مع العراق كأحد أكثر المسارات فاعلية عبر اتفاقيات توريد الوقود لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب العرض اللبناني المستمر لتحويل منشآت طرابلس إلى مصب وممر لتصدير النفط العراقي باتجاه البحر الأبيض المتوسط لتفادي اضطرابات الممرات البحرية الإقليمية. وفي الاتجاه ذاته، تتجه الجهود نحو تفعيل الامتدادات الإقليمية لخط الغاز العربي عبر مصر وسوريا، والبحث عن استثناءات دولية تدعم الشراكة مع الخليج وتركيا لتأمين دعم لإعادة تأهيل المرافق الحيوية وبناء مسارات الشراكة الاقتصادية. وعلى صعيد السياسة النقدية وإدارة الأزمات المالية الداخية، تنعكس هذه الضغوط بشكل مباشر على القوة الشرائية ومعدلات التضخم نتيجة الاعتماد المرتفع على الاستيراد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وهنا يبرز الدور التقييدي الصارم الذي يتبعه مصرف لبنان المركزي لحماية ما تبقى من احتياطيات العملات الأجنبية، عبر الوقف الكامل لتمويل الإنفاق الحكومي بالعملات الصعبة، مما أسهم في الحد من الانهيار النقدي الحاد والحفاظ على مستوى الاستقرار الشكلي لسعر الصرف. وتكتسب ثروة الذهب المجمدة أهمية خاصة كخط دفاع استراتيجي حاسم، إذ إن الحظر القانوني المطلق الصادر عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين يحمي هذا الاحتياطي من محاولات الاستغلال أو البيع لتغطية الفجوات المصرفية دون تشريع استثنائي يرفضه الشارع والأوساط السياسية. إلا أن هذه الإجراءات النقدية والتحفظية تبقى قاصرة عن تحقيق تعافٍ حقيقي دون حل المعضلات المتراكمة، وعلى رأسها قضية الديون النفطية المتراكمة لصالح العراق والتي تخطت المليار دولار نتيجة غطاء تشريعي جزئي وتأخر في السداد، ناهيك عن الموقف الدولي الحذر الذي يعبر عنه الب