لبنان في الشرق الأوسط الجديد: فرص الاستثمار وتحدّيات الجهوزية 24 تشرين الأول 2026 · 12:54 ص قراءة في 4 دقائق حجم الخط يشهد العالم تحوّلات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة الاستثمار والتجارة ومراكز الإنتاج والخدمات. ففي دول الخليج، تتواصل الجهود لتنويع الاقتصادات وتعزيز قطاعات التكنولوجيا والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية، فيما تواجه الدول الأوروبية تحديات تتعلق بالتنافسية وكلفة الإنتاج والطاقة والنمو. وفي موازاة ذلك، تتغيّر ملامح الشرق الأوسط، وتبرز فرص جديدة للتعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار وتطوير سلاسل الإمداد. أمام هذه التحوّلات، يقف لبنان أمام فرصة لإعادة تحديد موقعه الاقتصادي، شرط أن يستعد لها برؤية واضحة وخطوات عملية. إن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت المنطقة ستشهد تغيّرات جديدة، بل ما إذا كان لبنان سيكون قادرا على الاستفادة منها. فالتاريخ الاقتصادي يبيّن أن التحوّلات الكبرى لا تمنح فرصا متساوية للجميع، بل يستفيد منها أكثر من يمتلك الاستعداد والرؤية والمؤسسات القادرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع منتجة. يمتلك لبنان مقومات يمكن أن تشكّل أساسا لمرحلة اقتصادية جديدة، من موقعه الجغرافي عند ملتقى شرق المتوسط، إلى كفاءاته البشرية وطاقاته الريادية، وعلاقاته التاريخية بالأسواق العربية والأوروبية، فضلا عن شبكة واسعة من المغتربين المنتشرين في العالم. غير أن هذه المقومات لا تتحوّل تلقائيا إلى استثمارات. فالمستثمر يبحث عن الاستقرار ووضوح القوانين وسهولة الإجراءات والبنية التحتية المناسبة، كما يبحث عن بيئة تتيح له التخطيط طويل الأجل وحماية مصالحه ضمن إطار قانوني موثوق. لذلك، لا ينبغي للبنان أن يسعى إلى استنساخ النماذج الاقتصادية في الخليج أو أوروبا، بل إلى بناء نموذج متكامل يستند إلى ميزاته التنافسية، ويحدد القطاعات التي يستطيع فيها تقديم قيمة مضافة حقيقية. ويمكن للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والخدمات المهنية أن تشكّل مجالات واعدة، بالنظر إلى الكفاءات اللبنانية في التكنولوجيا والهندسة والابتكار. كما يمكن تطوير الصناعات الغذائية والدوائية والتحويلية، وتعزيز الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي، بما يرفع قيمة الإنتاج المحلي ويوسّع الصادرات ويوفر فرص عمل مستدامة. وتتيح قطاعات السياحة والاستشفاء والتعليم والطاقة المتجددة مجالات إضافية للاستثمار، شرط تطوير الخدمات وتحسين البنية التحتية ورفع معايير الجودة. كما يمكن للبنان أن يستفيد من التحوّلات في سلاسل التوريد العالمية عبر استقطاب مشاريع صناعية وخدمية متخصصة، وإقامة شراكات مع شركات خليجية وأوروبية تبحث عن فرص للتوسع والتعاون في أسواق المنطقة. إلّا أن هذه الفرص تحتاج إلى دراسات جدوى واقعية، وقدرة تنافسية في الكلفة والجودة، واستقرار تشغيلي لا يمكن الاستغناء عنه. وتشكّل إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي تحدّيا كبيرا، لكنها قد تكون أيضا مدخلا لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر إنتاجية. فالمطلوب ليس استعادة ما تضرر فحسب، بل تحديث شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق، وتنشيط المناطق الصناعية والزراعية والسياحية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويمكن للاستثمارات الخاصة والشراكات الدولية أن تسهم في تمويل هذه المشاريع، شرط اعتماد الشفافية وتوزيع المخاطر بصورة واضحة واختيار المشاريع التي تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً. لكن استقطاب الاستثمارات لا يبدأ بالمؤتمرات واللقاءات وحدها، بل بالتحضير المسبق. ويحتاج لبنان إلى إعداد محفظة وطنية من المشاريع الاستثمارية الجاهزة، تتضمن معلومات دقيقة عن كلفتها ومواقعها ومتطلبات تنفيذها وفرص التمويل والشراكة المتاحة فيها. كما يحتاج إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التنسيق بين الوزارات والمؤسسات العامة، ومواصلة الإصلاحات المالية والمصرفية، وترسيخ سيادة القانون والحوكمة. فالثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بقرارات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مؤسسات تشجيع الاستثمار، التي يمكن أن تؤدي دورا محوريا في الربط بين المستثمر والدولة، والترويج للفرص المتاحة، وتوفير المعلومات الموثوقة، وتنسيق الإجراءات ضمن صلاحياتها، ومتابعة المشاريع من مرحلة الاهتمام الأولي إلى التنفيذ. كما ينبغي تحويل الاغتراب اللبناني من مصدر للتحويلات المالية إلى شريك فاعل في التنمية، عبر ربط المستثمرين اللبنانيين في الخارج بمشاريع إنتاجية، والاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم الدولية في نقل التكنولوجيا وتوسيع الأسواق. أما العلاقة مع الخليج وأوروبا، فينبغي أن تقوم على التكامل وتبادل المصالح. فدول الخليج تستطيع أن تكون شريكا في الاستثمار والتكنولوجيا والصناعة والخدمات، فيما تتيح أوروبا مجالات للتعاون الصناعي ونقل المعرفة والطاقة النظيفة وتطوي