على الرغم من عدم تحقيق نتائج سريعة وواضحة في مفاوضات تامبا العسكرية، فإن التركيز سيبقى قائماً على مواصلة هذا النوع من الاجتماعات التقنية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. هذا الأمر، تبلغ به لبنان ويلمسه بشكل واضح، إذ بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية لا مجال للتراجع ولا للفشل، والهدف الإستراتيجي هو الوصول إلى سلام وسحب سلاح حزب الله. يعلم اللبنانيون أنه لن يكون هناك أي تقدم على خطّ المفاوضات والوصول إلى انسحاب إسرائيلي من دون الوصول إلى اتفاق السلام وإعلانه، وهذا ما تريد الولايات المتحدة أن يتم تحقيقه من خلال التعاون بين الدولتين وبين الجيشين أيضاً. أما إذا بقي المسار متعثراً، فإن المفاوضات السياسية قد تستمر على مسار، بينما المسار العسكري الإسرائيلي سيبقى مستمراً أيضاً خصوصاً إذا لم يعمل الجيش على سحب السلاح ونجاح المناطق التجريبية. تجتمع الرسائل الدولية التي يتلقاها لبنان على نقطتين: الأولى تركز على ضرورة سحب سلاح حزب الله أو إيجاد حلّ له. والثانية التحذير من عدم إقدام حزب الله على تنفيذ أي عملية عسكرية ضد الإسرائيليين، خصوصاً في حال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، إذ حينذاك ستلجأ إسرائيل إلى تنفيذ عملية عسكرية كبيرة وواسعة جداً ومدمرة، خصوصاً أن المسؤولين الإسرائيليين يعبرون بوضوح عن نيتهم توسيع نطاق الاحتلال والسيطرة، وتدمير مناطق أساسية، بما في ذلك النبطية، ولا تستبعد التهديدات أن تنفذ إسرائيل اجتياحاً تصل فيه إلى بيروت لأجل ما تسميه القضاء على حزب الله وتفكيك سلاحه وبنيته العسكرية. لا يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة إلا ويحاول انتهازها لأجل تحقيق مشروعه، هو يعتبر أن إيران في أكثر مراحلها ضعفاً، وكذلك ينظر إلى حزب الله. لذلك هو يسعى إلى إقناع الأميركيين بضرورة الذهاب إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة تقضي على النظام الإيراني، ويوجه "الضربة القاضية" إلى حزب الله، وفق عبارات يستخدمها ويتم التداول بها لدى جهات دولية وأممية عديدة، إذ يريد تحويل مدن أساسية إلى ما يشبه قطاع غزة. فإسرائيل لا تريد الانسحاب ولا وقف إطلاق النار من دون تحقيق تقدم جدي وحقيقي في مسار حصر السلاح. يفكر بعض المسؤولين في أن إسرائيل كانت تريد استغلال اكتشاف الأجهزة اللبنانية لشحنة المتفجرات في ضهر البيدر، التي كانت وجهتها الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد خرج حزب الله ليعلن أنه يتبنى هذه الشحنة، وأنه يستخدمها لأجل زيادة قدراته العسكرية في مواجهة إسرائيل. وهذا ما تريد تل أبيب استغلاله تحت شعار أن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية، وهو ما يناقض اتفاق الاطار وكل التفاهمات التي حصلت. وهذا ما قد يدفعها إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحزب، رداً على مواصلة عملية التسلح، وما دامت الدولة اللبنانية لم تتصرف وفق ما يقتضيه اتفاق الإطار الذي يلزمها بمنع حزب الله من نقل الأسلحة. من هنا جاء الاهتمام الأميركي المباشر بقضية الشحنة، والاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية يوم الخميس الفائت، وبعدها صرح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية بأن روبيو شدد على ضرورة مواصلة التحقيقات حتى النهاية والتوسع بها، وعدم تسليم المتفجرات إلى حزب الله. وهو ما ترافق مع حملة تتهم الحزب بأنه يريد استخدام هذه المتفجرات لتنفيذ عمليات اغتيال في الداخل اللبناني. وأوصل هذا التطور الدولة اللبنانية وحزب الله إلى مأزق حقيقي، فإن كانت المتفجرات ستستخدم ضد إسرائيل، ستندفع تل أبيب لمضاعفة ضغوطها مع واشنطن على الدولة اللبنانية كي تتحرك ضد حزب الله، أما إذا كانت وجهة المتفجرات مختلفة، فإن التحدي أمام الدولة اللبنانية سيكون مضاعفاً، خصوصاً أنه يتم منحها فرصاً عديدة لتحقيق الإنجاز المطلوب. وإذا لم تنجح في ذلك، فإن الأمور ستكون مفتوحة على مخاطر كبيرة.