كشفت دراسة أميركية، استندت إلى صور أقمار اصطناعية، أن السعودية تعمل على توسيع منشأة لإنتاج الصواريخ الباليستية، في خطوة قد تمكّنها من تصنيع صواريخ أطول مدى وأكثر قدرة على حمل رؤوس حربية ثقيلة، بما قد يؤثر في موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط. وبحسب تقرير أعدّه الصحافي جوناثان لانداي لوكالة "رويترز"، أظهر تحليل صور التقطتها شركة "بلانيت لابز" الأميركية بين نيسان 2025 وأيلول 2026 أعمال توسعة كبيرة داخل مجمّع الدوادمي، الواقع على مسافة نحو 200 كيلومتر غرب الرياض. وأوضح الباحثان سام لير ومايكل دويتسمان، من معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي (FPRI)، أن الصور تكشف إنشاء مبنى جديد يُعتقد أنه مخصّص لصبّ الوقود الصلب المستخدم في محركات الصواريخ، وتبلغ مساحته ضعف مساحة المبنى الحالي المخصّص لهذه العمليات على الأقل، إضافة إلى مبنى آخر يُرجّح استخدامه لتخزين الوقود أو المكوّنات الصاروخية. وتشير هذه التوسعة، وفق الباحثين، إلى احتمال تطوير صواريخ أكبر حجماً، قادرة على الوصول إلى مسافات أبعد وحمل حمولات أثقل. وتتميّز الصواريخ العاملة بالوقود الصلب بإمكانية تخزينها لفترات طويلة وإطلاقها بسرعة أكبر من نظيراتها العاملة بالوقود السائل. ورجّح خبراء عسكريون تحدّثوا إلى "رويترز" أن تعتمد المنشأة السعودية على تكنولوجيا صينية، مستندين إلى طبيعة الترسانة الصاروخية للمملكة والتشابه بين تصميم المنشأة ومصانع صواريخ صينية. وتعود العلاقات الصاروخية بين الرياض وبكين إلى عام 1987، عندما حصلت السعودية سرّاً على نحو 40 صاروخاً باليستياً صينياً من طراز DF-3، وفق تقدير استخباراتي أميركي رُفعت عنه السرية عام 1991. وقد عرضت المملكة صاروخين من هذا الطراز خلال استعراض عسكري عام 2014. وكشف الباحثون أيضاً عن رصد حطام في اليمن يُعتقد أنه يعود إلى صاروخ صيني التصميم من طراز DF-15 أطلقته السعودية، ما دفعهم إلى ترجيح احتمال أن تكون المملكة قد بدأت إنتاج هذا النوع من الصواريخ محلياً. أما التوسعة الجديدة، فيرى الباحث سام لير أنها قد تكون مخصّصة لتصنيع صواريخ DF-21 الأطول مدى، أو منظومات مشابهة لها، في ظل القيود الأميركية المفروضة منذ سنوات على تصدير الأنظمة الصاروخية بعيدة المدى. وفي قراءة للتداعيات العسكرية، اعتبر الباحث ساشا بروخمان، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أن امتلاك الرياض صواريخ أكثر تطوراً قد يمنحها القدرة على استهداف مواقع داخل إيران دون تعريض مقاتلاتها الأميركية من طراز F-15 لمخاطر الدفاعات الجوية الإيرانية. وأوضح أن طهران تتمتع حالياً بتفوّق صاروخي يمكّنها من استهداف مناطق مختلفة من السعودية، فيما قد تساعد القدرات الجديدة الرياض على تقليص هذه الفجوة وتعزيز قوة الردع لديها. وأيّدت شركة الاستخبارات الدفاعية "جينز" احتمال ارتباط التوسعة بتطوير صواريخ أطول مدى أو زيادة الطاقة الإنتاجية للمصنع. من جهته، حذّر المحلل ديكر إيفليث، من مؤسسة CNA الأميركية، من اتساع سباق التسلّح الصاروخي في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الإمارات وتركيا تعملان أيضاً على تعزيز قدراتهما في هذا المجال. وقد تنعكس هذه التطورات على العلاقات الأميركية السعودية، خصوصاً في ظل معارضة داخل الكونغرس لاتفاق تعاون نووي مدني يتيح للرياض تطوير قدرات تخصيب اليورانيوم لإنتاج الكهرباء. ويخشى معارضو الاتفاق من عدم كفاية الضمانات لمنع استخدام هذه القدرات في تطوير سلاح نووي، وهو ما تنفي السعودية التخطيط له. وبحسب الدراسة، بدأت أعمال التوسعة في نيسان 2025، وأظهرت صور التُقطت في كانون الأول من العام نفسه وجود حفرتين عميقتين داخل المبنى الجديد، فيما كشفت صور أيلول 2026 عن جدران ضخمة مصمّمة للحماية من الانفجارات، تشبه تحصينات مستخدمة في منشآت صاروخية أميركية وإيرانية. ويرجّح الباحثون أن تصبح المنشأة جاهزة لبدء الإنتاج بحلول نهاية عام 2026، إذا استُكملت أعمال البناء وتركيب المعدات اللازمة. ولم تردّ الجهات الرسمية السعودية والصينية والبيت الأبيض على طلبات التعليق، فيما امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عن الإدلاء بأي موقف. وتضع هذه المعطيات المنطقة أمام احتمال تحوّل نوعي في القدرات الصاروخية السعودية، قد يعزّز موقع الرياض في مواجهة إيران، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة من سباق التسلّح الإقليمي.