ثمة أعداء تريد هزيمتهم، وأعداء تحتاج إلى وجودهم كي تبقى. وأحيانًا يكون العدو واحدًا في الحالتين. ليس ذلك بسبب اتفاق سري، أو لأن الكراهية زائفة والعداء تمثيل. فقد يكون الطرفان صادقين تمامًا في مشاعرهما. ومع ذلك، قد يصبح خصمان نافعَين، أحدهما للآخر، إذ يوفّر كل منهما للآخر الخطر والشرعية والجمهور الذي يحتاج إليه لتبرير أفعاله. وليس عليهما أن يلتقيا في غرفة معتمة، فالتاريخ قادر على ترتيب التفاهم نيابة عنهما. مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يراقب لبنانيون كثيرون المصير السياسي لبنيامين نتنياهو، آملين، عن حق، أن يخسر. فقد أشرف على تدمير متكرر لبلدات وقرى لبنانية، وقتل مدنيين وتهجيرهم، وانتشار عسكري لا يزال ينال من سيادة لبنان. وثمة أسباب كثيرة تدعو إلى الرغبة في رحيله، بالحماسة نفسها التي يتمنى بها لبنانيون كثيرون زوال سلاح حزب الله. لكنني أجد نفسي أمام سؤال أشد إزعاجًا: ماذا لو لم يكن نتنياهو أحد ألدّ أعداء حزب الله وأكثرهم تدميرًا فحسب؟ ماذا لو كان أيضًا العدو الذي يستطيع الحزب توظيفه على أفضل وجه؟ ألحق نتنياهو بالحزب خسائر عسكرية فادحة. فقد تضررت قيادة حزب الله وبنيته التحتية وترسانته وهالته التي أحاطت به بوصفه قوة لا تُقهر. وكشفت الوقائع زيف وعود الردع والنصر، على نحو لا تستطيع أي خطبة أن تخفيه. لكن الضرر العسكري والمنفعة السياسية ليسا نقيضين. فقد يدمّر العدو قدراتك، فيما يعيد الاعتبار إلى حجتك. بل إن كل ضربة إسرائيلية ترمّم في سردية حزب الله شيئًا مما دمرته على الأرض. يتزايد الضغط المحلي والدولي على الحزب لتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، مع أن الدولة لم تتخذ بعد ما يلزم لفرض هذا المطلب. لكن الحزب يملك ذريعة جاهزة للرفض: إسرائيل لا تزال تحتل أراضي لبنانية، وتواصل الهجمات والتهديدات. فكيف لـ”المقاومة” أن تنزع سلاحها والعدو لا يزال على الأبواب؟ ونتنياهو هو من يواصل إتاحة هذه الذريعة. أوجد الإطار القائم بين لبنان وإسرائيل حلقة تكاد تكون مكتملة: تقول إسرائيل إنها لا تستطيع الانسحاب ما دام حزب الله مسلحًا، ويقول الحزب إنه لا يستطيع التخلي عن سلاحه ما دامت إسرائيل باقية. ويقدّم كل طرف رفض الطرف الآخر سببًا لرفضه هو. وفي هذه الأثناء، يبقى جنود إسرائيليون على أرض لبنانية، ويحتفظ حزب الله بترسانته، ويظل مدنيون لبنانيون نازحين، فيما يُنتظر من الدولة اللبنانية إثبات سلطتها، بينما يحرمها الطرفان من الظروف التي تتيح لها ممارستها. لكن هذا الجمود لا يخلو من مستفيدين. فاحتلال نتنياهو وهجماته وخطابه المتشدد تتيح للحزب تقديم سلاحه لا بوصفه قوة غير شرعية يحتفظ بها خلافًا لإرادة الدولة وسلطتها، بل باعتباره الجدار الأخير بين لبنان والفناء. وكلما ضعف حزب الله عسكريًا، ازدادت قيمة هذه الحجة سياسيًا. لم يعد في وسع الحزب أن يعد على نحو مقنع بهزيمة إسرائيل، لكنه يستطيع الإصرار على أن التهديد الإسرائيلي يثبت ضرورة استمرار وجوده. أما بالنسبة لنتنياهو، فيؤدي حزب الله له خدمة مماثلة. فهو يعزز صورة إسرائيل بوصفها بلدًا محاطًا بخطر وجودي دائم، ومن ثم محتاجًا على الدوام إلى الرجل الذي جعل من إدارة هذا الخطر محور هويته. ويتيح سلاح حزب الله لنتنياهو تبرير العمليات العسكرية المتكررة وتأجيل أي تسوية سياسية. كما يساعده على تحويل انعدام الأمن من إخفاق حكومي إلى سبب للإبقاء على الحكومة. هكذا يصبح العدو موردًا انتخابيًا. لا يعني ذلك أن نتنياهو يريد حزب الله قويًا، أو أن الحزب يريد تدمير القرى اللبنانية كي تبقى شعاراته حية. بل يعني أن كلًا منهما يستفيد سياسيًا من استمرار تهديد الآخر. أضعف نتنياهو حزب الله بما يكفي ليعلن الانتصار عليه، لكنه أبقاه حاضرًا بما يكفي ليجسّد الخطر. ويريد حزب الله أن يظل نتنياهو معاديًا بما يكفي لإبقاء مبررات سلاحه حية. لا ينبغي لأي لبناني أن يخلط بينه وبين رجل سلام. فهو رئيس أركان إسرائيلي سابق، والضابط الأكثر ارتباطًا بـ”عقيدة الضاحية”، القائمة على استخدام قوة هائلة وغير متناسبة ضد المناطق التي تعتقد إسرائيل أنها تتعرض لهجوم منها. اسمه لا يبشّر لبنان بالرحمة. لكنه يقدم نفسه للناخبين الإسرائيليين بوصفه شخصية مؤسسية منضبطة، ورجل دولة لا رجلًا جعل الدولة امتدادًا لبقائه السياسي. ويتحدث عن المساءلة وإصلاح الحكومة وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر. ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان سيتبع فعلًا سياسة مختلفة تجاه لبنان. لكن ما يهم هنا ليس ما وعد به أيزنكوت لبنان، بل ما يجعل ترشحه احتمالًا واردًا: قيام حكومة إسرائيلية قد تستخدم القوة أداةً للاستراتيجية، لا بيئةً سياسية دائمة. غير أن استبدال التصعيد الدائم باستراتيجية محددة الأهداف، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الهجمات، والتفاوض الجدي مع الدولة اللبنانية، ق