تدفع تركيا بوتيرة متسارعة نحو بناء واحدة من أكبر القوى البحرية في المنطقة، في مشروع يتجاوز مجرد تحديث الأسطول إلى تكريس عقيدة "الوطن الأزرق" التي تطالب أنقرة بموجبها بحقوق ونفوذ في مساحات بحرية واسعة، فيما تراقب إسرائيل هذا التوسع بقلق متزايد وسط تحذيرات من انعكاساته الاقتصادية والعسكرية المباشرة عليها. وبحسب تقرير للصحافي عراد نير فيموقع "N12" الإسرائيلي، تعمل تركيا حاليًا على بناء 47 سفينة حربية في وقت واحد لمصلحة أسطولها، في إطار مساعي الرئيس رجب طيب أردوغان لتحويل بلاده إلى قوة بحرية إقليمية كبرى. وفي إسرائيل، تتابع الجهات المعنية هذا التوسع، فيما حذّر القائد السابق لسلاح البحرية الإسرائيلي إليعازر "تشيني" ماروم من تداعياته، قائلًا إن الأتراك "يمكنهم التسبب بعدد لا بأس به من المشكلات"، معتبرًا أن إسرائيل بحاجة إلى إعادة تفكير استراتيجي وزيادة قوة سلاحها البحري. ويستند التوجه التركي إلى مفهوم "الوطن الأزرق"، الذي عبّر عنه صهر أردوغان بقوله: "إذا كان وطننا على اليابسة هو منزلنا، فإن الوطن الأزرق هو الحديقة التي نجد فيها الراحة. وكما أننا لا نستطيع التخلي عن غرفة في منزلنا، فلن نتخلى أبدًا عن قطرة واحدة من الوطن الأزرق". ويكتسب هذا التوسع أهمية إضافية في ظل التوتر المتزايد في المنطقة، ولا سيما بعدما عاد أردوغان، عقب العطلة الصيفية وللمرة الأولى منذ الغارة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي الأسبوع الماضي على مسافة قريبة جدًا من تركيا، إلى إطلاق رسائل حادة. وقال أردوغان: "تجار الدم سيخسرون. الانتهازيون الذين يعتاشون من المسلحين سيخسرون. ومنفذو الإبادة الذين يريدون إغراق منطقتنا في انعدام الاستقرار سيخسرون". لكن بالتوازي مع الخطاب السياسي، تستثمر أنقرة منذ سنوات في بناء قوة عسكرية فعلية في البحر، خصوصًا في ظل القيود التي يعانيها سلاح الجو التركي نتيجة العقوبات الأميركية، ما منح البحرية موقعًا أكثر مركزية في الرؤية الأمنية لأردوغان. ويُعد سلاح البحرية التركي الأكبر في البحر المتوسط والعاشر عالميًا، فيما يحتل سلاح البحرية الإسرائيلي المرتبة 32. ويلخص أردوغان رؤيته البحرية باقتباس يكرره خلال حديثه عن مشروع التوسع، قائلًا: "نقوم بهذه الجهود مسترشدين بكلمات بربروس خير الدين باشا: من يسيطر على البحار يسيطر على العالم". ويُعد بربروس خير الدين باشا، الذي يستحضره أردوغان باستمرار، من أبرز الشخصيات في القوة البحرية للإمبراطورية العثمانية، وقد وسّع نفوذها من خلال الفتوحات البحرية. ويستخدم الحكم التركي اليوم شخصيته لربط الإرث العثماني بالطموحات البحرية لتركيا الحديثة. ويقول أردوغان في هذا السياق: "ليكن واضحًا للجميع، تركيا الكبيرة والقوية قد بزغت بالفعل، وقد بدأ بناء المئة عام لتركيا". وخلال نهاية الأسبوع الماضي، توجه آلاف الأتراك إلى مقر البحرية في غولجوك قرب إسطنبول لمشاهدة السفن الرئيسية والقطع البحرية التي تنتجها الصناعة المحلية، في عرض جديد للقوة البحرية التي تعمل أنقرة على بنائها. وبعد عقود اعتمدت خلالها تركيا بدرجة كبيرة على سفن وقطع بحرية من مصادر أجنبية، أنشأت صناعة دفاعية بحرية تؤمن اليوم جزءًا كبيرًا من احتياجات أسطولها، كما بدأت بتصدير منتجاتها إلى دول أخرى. وقال مسؤول تركي: "نحن نبني 47 سفينة حربية في الوقت نفسه للبحرية التركية، كما نبني 24 منصة بحرية لدول أجنبية". ولا يقتصر الهدف من هذا التوسع على زيادة عدد السفن، إذ يرتبط مباشرة بعقيدة "الوطن الأزرق"، وهي رؤية سياسية وعسكرية تسعى تركيا من خلالها إلى توسيع النفوذ والحقوق التي تطالب بها في المساحات البحرية المحيطة بها. وقال أردوغان: "من أجل ضمان أمن الوطن الأزرق، نفذنا العديد من المشاريع". وقد وضع هذه العقيدة في الأصل مسؤولون سابقون كبار في البحرية التركية، وهي تركز بصورة أساسية على البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط. وشرح صهر أردوغان جوهر الرؤية بقوله: "إذا كان وطننا على اليابسة هو منزلنا، فإن الوطن الأزرق هو حديقة نجد فيها الراحة. وكما لا يمكننا التخلي عن غرفة في منزلنا، فلن نتخلى أبدًا عن قطرة واحدة من الوطن الأزرق". ولا تقتصر تداعيات هذه الرؤية على الجانب العسكري، إذ يؤدي تطبيقها إلى زيادة الاحتكاك مع اليونان، ولا سيما حول تقسيم المناطق البحرية والسيطرة المحتملة على حقول الغاز في شرق البحر المتوسط. وقال وزير الخارجية اليوناني جورجيوس غيرابيتريتيس هذا الأسبوع إن بلاده مستعدة للرد ميدانيًا في حال أقدمت تركيا على خطوة تعتبر أثينا أنها تمس بحقوقها. وخلال مقابلة سُئل فيها عن احتمال إرسال تركيا سفنًا حربية إلى المنطقة، أوضح أن أثينا لا تعتزم الامتناع عن الرد وأن أمامها خيارات متعددة. ووفق مفهوم "الوطن الأزرق"، يلتقي خط يمتد من الساحل التركي بخط ينطلق من السا