عرفت داني عن قرب، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة من الحرب. وكان يزورنا بانتظام في القوة الضاربة، ويشاركني تحذيرات وصلته من جهات محلية ودولية بشأن التهديدات التي يتعرّض لها. وقد تمكنّا في حينه من إحباط عدّة محاولات استهدفته. لم يكن الريس داني يجهل حجم الأخطار المحدقة به، ومع ذلك رفض التراجع عن مواقفه. وبعد 13 تشرين الأول 1990، أصبح الخطر على حياته أكبر. وقد روى لي السفير الفرنسي "رينيه ألا" أنّه عرض على داني الانتقال إلى السفارة الفرنسية أو الاحتماء بالقنصلية، ريثما تُستكمل ترتيبات سفره. لكنه رفض. كان يعلم أنّ حياته مهدّدة، ومع ذلك اختار البقاء. لم يكن الريس مجرّد رئيس حزب أو وريث عائلة سياسية. لقد امتلك صفات القائد القادر على إلهام الثقة، والمحافظة على المعنويات، وجمع الناس حول قضية تتجاوز الانقسامات الحزبية. وفي تقديري، كانت قدرته على توحيد الصفوف وقيادة معارضة وطنية فاعلة مصدر قوّته، وأحد الأسباب التي جعلت وجوده مقلقًا للقوى التي أرادت قتله. اللحظات الأخيرة: مأساة أبٍ وعائلته هناك جانب إنساني من هذه الجريمة لم يفارق ذهني منذ ذلك اليوم. لقد أمضيت سنوات في الحروب، وأُصبت بجروح خطيرة مرارًا، وعشت لحظات فقدت فيها الوعي. في إحدى هذه التجارب، بدا وكأنّ دماغي يعمل بسرعة تفوق مرور الزمن، فتَباطأ الوقت بصورة غير مألوفة، وتحوّلت أعشار الثانية إلى لحظات طويلة في ذهني. أدركتُ أنّني أُصبت، وفي تلك اللحظات مرّت أمامي صور من حياتي بوضوح مذهل، فيما بقيتُ مدركًا لما يجري حولي، إلى أن فقدتُ الوعي. هذه تجربة شخصية غير علمية، لكنها تجعلني أتساءل عمّا إذا كان داني قد أدرك، بين لحظة إصابته وفقدانه الوعي، أنّ القتلة لم يأتوا لاغتياله وحده. هل سمع ما جرى لإنغريد وطفلَيه، طارق وجوليان؟ وإذا كان قد أدرك ذلك، فهل يمكن تخيّل حجم الألم والعجز اللذين قد يشعر بهما أبٌ في لحظاته الأخيرة، وهو يدرك أنّ زوجته وطفلَيه يتعرّضون للقتل من دون أن يستطيع حمايتهم؟ وماذا عن إنغريد وجوليان وطارق؟ ما الذي دار في أذهانهم في تلك اللحظات المرعبة؟ هل تساءلوا أين داني؟ لماذا لا يحمينا؟ هل قتلوه؟ ولا يمكن نسيان تمارا وترايسي، اللتين حملتا جرح فقدان الأب والعائلة، وألمًا لا تمحوه السنوات. من ضغط على الزناد، ومن اتّخذ القرار؟ وثمّة أمر آخر أودّ مشاركته. فقد روى لي ضابط لبناني من أبناء طرابلس، قاتل إلى جانبنا طوال سنوات الحرب، وعُرف بخبرته العسكرية والاستخباراتية، وأكنّ له ثقة مطلقة، أنّه كان موجودًا يوم الاغتيال في مبنى المكافحة على طريق بعبدا، على بُعد بضع كيلومترات من مكان وقوع المجزرة، وشاهد ضابط المخابرات السورية "جهاد صافتلي" يصل بسيارة بيجو 504، قبل وقوع الجريمة بدقائق، ويتواصل عبر جهاز لاسلكي، ثم يغادر بعد الاغتيال بوقت قصير. وقد أعرب الضابط عن قناعته بأنّ صافتلي سهّل تحرّك المجرمين اللبنانيين الذين نفّذوا الاغتيال وأمّن مرورهم على الطرقات. وأنا أؤمن بصحّة تقدير صديقي، وأحمّل النظام السوري، كما الذين ضغطوا على الزناد، المسؤولية عن اغتيال هذه العائلة العظيمة. وسيظلّ داني شمعون، بالنسبة إلينا نحن الأحرار، القائد والشهيد الذي نستلهم من شجاعته وثباته القوّة والعزيمة لمواصلة النضال من أجل المبادئ التي آمن بها ودافع عنها حتى الاستشهاد. وكذلك سنبقى، نحن الأحرار، أوفياء لمدرسة الرئيس كميل شمعون ونهجه، مستلهمين من حكمته وقدرته على المسامحة وتجاوز الخلافات، وتوحيد صفوفنا حول القضية الكبرى التي آمن بها وناضل من أجلها. فقد علّمانا كميل وداني أنّ القضية أكبر من أيّ شخص، وأنّ الوفاء لها يكون بالوحدة والثبات والعمل، لا بالشعارات وحدها. واليوم، بعد ستّة وثلاثين عامًا، أقول للقتلة: لقد فشلتم! قتلتم أربعة أبطال، لكنّكم لم تتمكّنوا من قتل القضية. أردتم إطفاء الشعلة، فإذا بكم تُشعلونها في قلوب ملايين اللبنانيين. ومن هنا، أدعو جميع الأحرار والنمور والشمعونيّين، والشابات والشباب، وكلّ من يؤمن بالحرية والسيادة، إلى التوحّد والانتظام والعمل معًا، وفاءً لشهدائنا الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لهذه المبادئ والقيم. وفي هذه المناسبة، نستذكر أيضًا شهداء مجزرة العيشية، التي نُحيي ذكراها الخمسين هذا العام، وننحني إجلالا لتضحياتهم وتضحيات كلّ من استُشهد دفاعًا عن لبنان وحريته وسيادته. نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ