يضع قرار المجلس الدستوري حدودًا للاستفادة من العفو في جرائم الفساد، لكنه لا يغني عن إثبات الجرائم أو تحديد الأموال القابلة للمصادرة والاسترداد. وإذا كانالجزء الأولقد تناول تعدد الملفات القضائية المرتبطة برياض سلامة وحدود طلب الاستفادة من قانون العفو، فإن السؤال الأكثر تعقيدًا يظهر عندما ننتقل من مصير الملاحقات إلى مصير الأموال نفسها. فهل يمكن أن يؤدّي إسقاط الدعوى العامة عن جريمة معينة إلى إسقاط حق الدولة في استرداد الأموال المرتبطة بها؟ وهل يؤدي أي قرار بالعفو إلى إنهاء إجراءات المصادرة أو تجميد الموجودات؟ وهل تتساوى آثار العفو على المسؤولية الجزائية مع آثاره على المطالبات المالية التي قد تكون لمصرف لبنان أو للدولة أو للمتضررين؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها باعتبارها مسألة واحدة. فالقانون يميز بين الدعوى العامة والعقوبة، من جهة، وبين حقوق الدولة المالية والحقوق الشخصية للمتضررين، من جهة أخرى. وقد أكد المجلس الدستوري هذا التمييز في قراره رقم 12، عندما قرر أن العفو عن جرائم الفساد لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررة، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من تلك الجرائم. أولًا: ما الفرق بين إسقاط الدعوى العامة واسترداد الأموال؟ الدعوى العامة هي المسار الذي تتولى فيه النيابة العامة ملاحقة الفعل الجرمي وطلب تطبيق العقوبة التي يجيزها القانون. أما المطالبة باسترداد الأموال، فقد تستند إلى حق مالي للدولة أو لمؤسسة متضررة، أو إلى أحكام المصادرة، أو إلى إجراءات قضائية أخرى تتصل بالأموال المتأتية من الجريمة. ولا يعني هذا أن المسارين منفصلان دائمًا؛ فقد تتقاطع الأدلة والوقائع فيهما، وقد يؤدي الحكم الجزائي دورًا مهمًا في إثبات مصدر الأموال أو علاقتها بالفعل الجرمي. لكنهما ليسا متطابقين، ولا يجوز افتراض أن كل أثر مالي يزول بمجرد زوال أثر جزائي. لهذا السبب، لا يمكن التعامل مع طلب إسقاط الدعوى العامة المقدم في ملف سلامة وكأنه طلب تلقائي لإعادة الأموال إلى أصحابها أو لإبقائها في حوزة من يملكها. فموضوع الطلب، بحسب المعلومات المنشورة، هو إسقاط الدعوى العامة عن بعض الجرائم استنادًا إلى قانون العفو. أما الأموال والموجودات، فتحتاج إلى تحديد طبيعتها ومصدرها والجهة صاحبة الحق فيها، ثم إلى معرفة ما إذا كانت خاضعة لتجميد أو حجز أو مصادرة أو مطالبة مالية، وما هو الأساس القانوني لكل إجراء. وهنا تبرز أهمية قرار المجلس الدستوري. فقد منع تفسير قانون العفو على نحو يؤدي إلى حرمان الدولة من استرداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد، وأكد أن العفو لا يمنع تحصيل حقوقها بوصفها متضررة. وهذا لا يعني أن كل مبلغ محل نزاع يصبح قابلًا للمصادرة تلقائيًا، بل يعني أن قانون العفو لا يصلح، بحد ذاته، سببًا لإغلاق باب الاسترداد. ثانيًا: تبييض الأموال ليس مجرد وصف مالي في الملفات المعقدة، قد تكون حركة الأموال عبر شركات وحسابات متعددة عنصرًا أساسيًا في التحقيق. لكن تعدد التحويلات أو وجود شركات في الخارج لا يكفي وحده لإثبات جريمة تبييض الأموال. فالمطلوب تحديد مصدر الأموال، وطبيعة الأفعال التي أجريت عليها، ومدى توافر عناصر الجريمة وفق القانون، ودور كل شخص أو مؤسسة في العمليات محل التحقيق. وفي قضية «فوري أسوشيتس»، تناولت التحقيقات تحويلات وعمولات دفعها مصرف لبنان إلى شركة يملكها المستفيد الفعلي شقيق سلامة، رجا سلامة، خلال فترة امتدت بين 2002 و2015. وتركزت الشبهات على مبالغ تجاوزت 330 مليون دولار، وعلى انتقال أجزاء من الأموال، وفق ما ذكرته تقارير التحقيق، عبر حسابات وشركات مرتبطة بالأخوين. هذه الوقائع، كما وردت في التقارير المنشورة، تمثل موضوع تحقيقات واتهامات، ولا يجوز تقديمها باعتبارها حكمًا نهائيًا يثبت المسؤولية الجزائية عن جميع المبالغ أو العمليات. فإثبات تبييض الأموال يتطلب تحديد الوقائع التي تنطبق عليها عناصر الجريمة، كما يتطلب إثبات مسؤولية كل شخص وفق الأصول. لكن إذا ثبت قضائيًا أن أموالًا متأتية من جريمة فساد قد نُقلت أو أُخفيت أو جرى التعامل بها على نحو يشكل تبييضًا للأموال، فإن الاستثناءات الواردة في قانون العفو تصبح ذات صلة مباشرة. فالبند العاشر من المادة الثانية يستثني الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، إلى جانب الجرائم المصرفية والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف. ثم جاء المجلس الدستوري ليمنع حصر استثناء جرائم الفساد في البنود التاسع والعاشر وحدهما، ويؤكد شمول جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين النافذة والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، بما فيها الجرائم التي قد تقع في القطاع الخاص، وجميع المساهمين فيها. وبالتالي، لا يمكن افتراض أن جريمة تبييض الأموا