في صباحٍ هادئ، وعلى فنجان قهوة، جلسنا وجهاً لوجه مع نادين توما، مؤسِّسة "دار قنبز"، في حديثٍ بدأ من اسمٍ يستعيد رائحة الطفولة وذاكرة الجدّة، واتّسع ليصل إلى الثقافة والأرض والنساء والحكايات التي تصنع علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا. من "قنبز" جدّتها، الذي يحمل شيئاً من البقاع ودفء البيت وسرد النساء، إلى دارٍ ثقافية تأسست العام 2006، ظلّت نادين توما تبحث عن طرق مختلفة لصناعة المعرفة وإيصالها إلى الناس، عن كتابٍ لا يكتفي بالكلمات، وثقافةٍ لا تنحصر في بيروت، وحكاياتٍ تعيد وصل ما تحاول الحرب والسياسة والانقسامات تمزيقه. حديثنا كان حميماً، أقرب إلى الإصغاء لحكاية طويلة. عن معنى تنوّع هذا البلد وأهله، وصولاً إلى معرض "فريدة" في "بيت بيروت" وأحلام دار قنبز المقبلة، وهنا نص اللقاء مع "المدن". * لنبدأ من الاسم: لماذا "قنبز"؟ وما الفكرة التي كانت في ذهنك حين قررتِ إطلاق هذه المبادرة؟ يربطني "قنبز" بأشياء أساسية في حياتي: البقاع، وطفولتي، وجدّتي، وسلالتي النسوية والنسائية. كانت جدّتي حكواتية من الطراز الأول، وكذلك نساء عائلتي. قضيت طفولتي في البقاع، وكانت جدّتي مغرمة بالقنبز المحمّص والمملّح. لذلك كانت رائحة تحضيره حاضرة في جلساتنا، ثم كانت تطعمنا منه. الاسم يحمل كل هذه الذاكرة. * نشهد اليوم نشوء مساحات ومبادرات ثقافية في البلد، في النشر والصحافة والأدب والكتابة والحوار والفنون التشكيلية. ما الذي شعرتِ أنه ما زال ناقصاً، ودفعك إلى تأسيس دار قنبز؟ الأمر يتعلق بالطريقة التي تصل بها الأشياء إلى الناس. يمكن أن نقول "كتاب"، لكن للكتاب مليون شكل. تأسست دار قنبز عام 2006، وأسّستها مع سيفين عريس في وقت كان كثيرون يروننا مجنونتين: من لا يزال يحلم؟ ومن لا يزال يعتقد أن للثقافة دوراً؟ نحن نعرف حجم الأموال التي تُضخّ في العالم العربي حول اللغة العربية، لكنني أرى أن ثلاثة أرباع البرامج التي تُقام باسم اللغة العربية تكاد تقتلها بدلاً من أن تمنحها الحياة. كان شكل الكتاب ومضمونه، وعلاقتنا المباشرة بالجمهور، والانفتاح على الريف والمناطق التي لا تحظى عادةً بالاهتمام، عناصر أساسية في تجربتنا. فعندما نتحدث عن الثقافة، نركّز كثيراً على بيروت والمدن الرئيسية. وأنا، بوصفِي ابنة الريف والأرض، كان يهمّني أن أخرج من المدينة وأنقل الثقافة إلى المناطق النائية. كذلك كان حضور الفنون في حياتنا اليومية أساسياً، فالكتاب الذي نصدره في دار قنبز متجذّر إلى حد كبير في الصورة والجماليات، وهذا ما فتح أمامنا أفقاً مختلفاً. * تتحدثين عن مبادرة انطلقت العام 2006 وما زالت مستمرة، رغم المحطات القاسية التي مرّ بها البلد. إذا عدنا إلى المحطات المفصلية في تاريخ دار قنبز، ما الذي يحضر في ذاكرتك، عاطفياً وإنسانياً؟ أول ما يحضر هو شعور العيش فوق بركان دائم، كأن لغماً جديداً ينفجر في وجهك كل شهرين. منذ البداية، كان موقفنا واضحاً: نحن ضد التطبيع، ونعتبر إسرائيل عدوّاً. وهذا الموقف يضعك باستمرار أمام اختبارات وتذكيرات قاسية، حتى في عملك اليومي. لكن العمل معاً، من دون تمييز، أتاح لنا أن نصنع نقاط ضوء، وأن نبني حسّاً نقدياً ومخيّلة غنية. في المقابل، يحاول النظام العالمي أن يحشر كل إنسان في خانة: الدين أو المنطقة أو السياسة. هناك تهويل هائل وتسخيف غير طبيعي للعقول، كأن جهات كثيرة تريد أن تجعلنا تافهين كي يسهل التحكم بنا. قد يظن المرء أنه يملك السلطة المادية أو السياسية، لكنه يكون قد تخلّى عن قدرته على التأثير في الأشياء من حوله. إذا أردت أن أستعيد محطات دار قنبز، أتذكر الجمال والحب والجسور، جسوراً ليست هشّة. ومع ذلك، يبقى نطاق تأثيرنا محدوداً، مهما وصلنا إلى عدد كبير من الناس، فيما تُضخّ ملايين الدولارات في سياسات لا تشبهنا، لا ثقافياً ولا سياسياً. * ماذا يعني التطبيع لمؤسسة تعمل في الحقل الثقافي والاجتماعي؟ وكيف تتصل هذه المسألة بفلسطين، وبالإبادة التي تحدث في غزة، وبما أصاب جنوب لبنان، حيث أُجبر سكان أكثر من مئة قرية على مغادرة مناطقهم؟ أين تقع هذه القضايا في خريطة دار قنبز؟ أعتقد أن حملة "سلاح ستّي للإعمار الشامل" تلخّص كل ما يتصل بهذا السؤال. أولاً، ماذا يعني أن أقرّر ألّا أرحل، وأن أواصل الإنتاج والبناء؟ وثانياً، أن أتعامل مع الماضي بوصفه معرفة. الاحتلال لا يجرّد الإنسان من حياته فقط، يجرده من معرفته وحكمته وعلاقته بالأرض. حين يُستهدف الجنوب، يُستهدف أناس ما زالوا مرتبطين بأرضهم، زراعياً وثقافياً ولغوياً أيضاً. تخيّلوا أنني أجمع، مثلاً، أنواع الزهور البرية في الجنوب ضمن حملة "سلاح ستّي للإعمار الشامل". هذا في حد ذاته فعل مقاومة للمحو؛ فعندما يُقتلع الناس من أرضهم، تُقتلع علاقة كاملة بكل ما يرتبط به الإنسان روحياً ووجدانياً. نريد أن نقول للناس: هذه المعرفة هي معرفتنا نحن، وعلي