تحولت مشكلة تقنية أصابت المسيّرات الأوكرانية في ذروة عملياتها إلى قضية سياسية وأمنية حساسة بين كييف وواشنطن، بعدما فقدت طائرات مسيّرة اتصالها بشبكة "ستارشيلد" خلال تنفيذ مهمات ضد أهداف روسية، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويطلب من إيلون ماسك إعادة الوصول الكامل إلى الشبكة، فيما بقي السؤال الأبرز بلا جواب: من الذي أمر بفرض القيود أساسًا؟ وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، نقلًا عن صحيفة "نيويورك تايمز"، اتصل ترامب الأسبوع الماضي بماسك وطلب منه إعادة الوصول الكامل لأوكرانيا إلى شبكة الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية "ستارشيلد"، وذلك بعد أن أبلغ مسؤولون أوكرانيون عن قيود جديدة أعاقت قدرتهم على تشغيل المسيّرات العسكرية التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في الحرب ضد روسيا. وأثارت القيود قلقًا في كييف، حيث اشتبه مسؤولون أوكرانيون في أن ترامب نفسه ربما يكون قد طلب من ماسك فرضها، ولا سيما بعدما طالب مؤخرًا أوكرانيا بوقف ضربات المسيّرات على مصافي النفط الروسية التي أدت إلى ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة. وعندما سُئل ترامب يوم الخميس عما إذا كان قد أجرى بالفعل اتصالًا بماسك بهذا الشأن، في تقرير نشرته أولًا صحيفة "وول ستريت جورنال"، رفض الخوض في التفاصيل، وقال للصحافيين: "لا أريد التعليق على ذلك، سواء كنت أنا من اتصل أو شخصًا آخر، فهذا لا يهم. الخلاصة أنه أعادها". وأبدى داعمو أوكرانيا في واشنطن تفاؤلًا حذرًا عقب الخطوة. وقال السيناتور الجمهوري توم تيليس إنه إذا كانت التقارير صحيحة فإن الأمر يمثل تطورًا مرحبًا به، مضيفًا أن من يعارض إعادة الاتصال عليه أن يشرح مبررات السماح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمواصلة قتل المدنيين الأوكرانيين. وبدأت المشكلة في الظهور منتصف تشرين الأول، عندما أخذت مسيّرات أوكرانية تسقط من السماء بصورة مفاجئة. واكتشف قادة أوكرانيون أن المسيّرات التي كانت تتجه نحو أهداف روسية بسرعة تتجاوز 160 كيلومترًا في الساعة فقدت فجأة اتصالها بـ"ستارشيلد"، وهي النسخة العسكرية والمؤمنة من شبكة "ستارلينك" المملوكة لماسك. ونتيجة ذلك، اضطرت القوات الأوكرانية إلى خفض سرعة تحليق المسيّرات أو وقف عمليات بالكامل عندما كانت تتطلب سرعات مرتفعة لتجنب الرصد، وهو ما أتاح للقوات الروسية التحرك بحرية أكبر في بعض مناطق الجبهة، كما أضعف قدرة أوكرانيا على اعتراض المسيّرات الهجومية. وتعمل شركة "SpaceX" على تطوير نظام "ستارشيلد"، وهو مخصص للاستخدامات الأمنية والعسكرية مع مستويات مرتفعة من التشفير، فيما استثمرت الحكومة الأميركية مليارات الدولارات في هذه التكنولوجيا ووافقت على استخدامها من قبل القوات الأوكرانية. لكن هوية الجهة التي تسيطر فعليًا على النظام بقيت موضع خلاف. فماسك قال مؤخرًا إن النظام مملوك للحكومة الأميركية ويخضع لسيطرتها، وإن أي قيود تُفرض عليه يحددها الجيش والرئيس الأميركي. في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة لا تستطيع إصدار أوامر إلى شركة خاصة، مؤكدًا أن الإدارة لم تطلب إجراء أي تعديلات على النظام. أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فأكد من جهته أن روبيو أبلغه بأن وزارة الخارجية الأميركية تعمل على إزالة الحظر. وعلى الرغم من أن هذه الاضطرابات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في مسار الحرب، فإنها عمّقت القلق في كييف من احتمال ميل إدارة ترامب بصورة أكبر إلى جانب روسيا. وتأتي هذه المخاوف في ظل تعهد ترامب بإنهاء الحرب سريعًا، وانتقاداته الحادة لزيلينسكي بسبب رفضه تقديم تنازلات، بالتوازي مع حديث عن صفقات محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا. وبين سقوط المسيّرات وتقدم القوات الروسية ثم تدخل ترامب لإعادة الاتصال، لم تعد القضية مجرد خلل تقني في شبكة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار جديد لمدى ارتباط قدرة أوكرانيا على القتال بالقرار السياسي في واشنطن، فيما يبقى تحديد الجهة التي فرضت القيود في البداية الحلقة الأكثر غموضًا في الملف