في ظل استمرار تداعيات الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، يعود مشروع قانون الفجوة المالية إلى الواجهة، وسط نقاش حول آليات استرداد الودائع والمهل الزمنية المحددة للتسديد، ومدى قدرة هذه الآليات على مراعاة الأوضاع الاجتماعية والصحية والمعيشية للمودعين. وبين الحسابات المالية ومتطلبات توزيع الخسائر، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر عدالة تأخذ في الاعتبار اختلاف ظروف المودعين، ولا سيما كبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي محمد فحيلي، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، ضرورة إدراج معالجة إنسانية واضحة ضمن مشروع القانون، بما يضمن مراعاة الفئات الأكثر هشاشة، من دون المساس بمبدأ العدالة في توزيع الحقوق. وبحسب الآلية المعلنة للمشروع، يُفترض أن يسترد أصحاب الودائع التي تقل عن مئة ألف دولار أموالهم خلال مدة أقصاها أربع سنوات، وهم يشكّلون نحو 85 في المئة من المودعين، فيما يحصل أصحاب الودائع التي تتجاوز هذا السقف على مئة ألف دولار نقداً، ويُحوّل الجزء المتبقي إلى شهادات مالية يصدرها مصرف لبنان. كذلك، طُرح اعتماد حد أدنى للتسديد الشهري يبلغ 1500 دولار. لكن فحيلي يلفت إلى أنّ هذه المقاربة، وإن بدت واضحة من الناحية الحسابية، لا تعكس بالضرورة الأعباء المختلفة التي يتحملها المودعون خلال فترة الانتظار. فالأربع سنوات قد تشكّل، بالنسبة إلى شاب، تأخيراً في تنفيذ مشروع أو تحقيق هدف مالي، لكنها قد تعني بالنسبة إلى مودع تجاوز الخامسة والستين حرماناً من العلاج أو تأجيل عملية جراحية أو العجز عن تغطية النفقات الأساسية، وربما الوفاة قبل استرداد أمواله. ويؤكد أنّ المودع المسنّ لا ينبغي أن يتحمل العبء نفسه الذي يتحمله شخص لا يزال قادراً على العمل وتعويض جزء من خسائره، خصوصاً أنّ الوديعة قد تمثّل بالنسبة إلى كثيرين مدخرات العمر ومصدر الأمان المالي في ظل تراجع القدرة الشرائية للمعاشات التقاعدية وارتفاع كلفة الاستشفاء والدواء. ولا تقتصر الحاجة إلى هذه المعالجة على كبار السن، بل تشمل أيضاً المودعين الذين يعانون أوضاعاً صحية صعبة، أو إعاقات، أو مسؤوليات إعالة مرضى، إذ إنّ كلفة الانتظار بالنسبة إلى هؤلاء قد تكون أكبر بكثير من كلفتها بالنسبة إلى سواهم، حتى لو كانت قيمة الوديعة متساوية. المساواة لا تعني تجاهل اختلاف الظروف وفي مواجهة الاعتراض القائل إنّ إعطاء بعض المودعين أولوية في الاسترداد قد يتعارض مع مبدأ المساواة، تقوم المقاربة التي يدعو إليها فحيلي على التمييز بين المساواة الشكلية والعدالة الفعلية. فالمعاملة العادلة، وفق هذا المنطق، لا تعني بالضرورة تطبيق الآلية نفسها على الجميع، بل مراعاة الحالات الاستثنائية التي تجعل الانتظار أكثر قسوة على فئات محددة. ومن هنا، فإنّ المطلوب ليس تغيير الحقوق المالية أو إعادة توزيع الخسائر على نحو مختلف، بل إعادة ترتيب مهل التسديد والسيولة المتاحة، بحيث تُمنح الأولوية لمن لا تسمح أوضاعهم الصحية والمعيشية بتحمل الانتظار الطويل. وفي هذا الإطار، تبرز مجموعة من المقترحات، أبرزها تسريع استرداد الودائع للفئات الأكثر هشاشة، من خلال اعتماد دفعة أولى أكبر ومهل أقصر من السنوات الأربع، إلى جانب رفع الحد الأدنى الشهري للتسديد بما يتناسب مع تكاليف المعيشة والعلاج. وتشمل المقترحات أيضاً إتاحة آليات دفع مباشرة لتغطية النفقات الأساسية، مثل الاستشفاء والدواء والإيجار، على أن تُسدّد المبالغ المستحقة إلى الجهات المزوّدة للخدمات عند الاقتضاء. أما بالنسبة إلى أصحاب الودائع التي تتجاوز مئة ألف دولار، فتُطرح الحاجة إلى توفير وسائل تمنح الشهادات المالية قدراً أكبر من السيولة، سواء من خلال استرداد جزئي مبكر أو عبر إمكان استخدامها في تسديد الضرائب والرسوم أو ضمن آليات تمويل وقروض مناسبة. كذلك، تبرز ضرورة ضمان انتقال الحقوق المالية إلى الورثة في حال وفاة المودع، بصورة واضحة ومن دون تعقيدات إجرائية تؤدي إلى تأخير إضافي في استرداد الأموال. ولضمان عدم تحوّل هذه التدابير إلى باب للاستنسابية أو الاستفادة غير المستحقة، تقتضي المقاربة المقترحة وضع ضوابط صارمة، تشمل اعتماد حساب مؤهّل واحد لكل شخص لمنع تفتيت الودائع، وتحديد سقف للمبالغ المشمولة بالأولوية، والاستناد إلى تقارير طبية صادرة عن جهات مستقلة، فضلاً عن فرض عقوبات واضحة على التزوير أو إساءة استخدام الآلية.