من السهل وضع تحذير بكين من أنها "ستدافع بحزم" عن مصالحها رداً على تشديد العقوبات الأميركية على إيران ضمن إطار مواجهة كبيرة بين الصين والولايات المتحدة. لكن الأرقام تخفف كثيراً من هذا الاحتمال. نظرة الصين... من السلاح إلى الاقتصاد قبل فترة، تداولت بعض التقارير اقتراب الصين من منح إيران أسلحة نوعية. تبيّن أن ذلك غير صحيح. بالحد الأدنى، إن كان هناك من دعم عسكري، فهو بالتأكيد لم يبلغ مستوى المساعدات الكاسرة للتوازن. يُرجَّح أن يكون الأمر مماثلاً الآن على الصعيد الاقتصادي. ميناء نفطي في محافظة شاندونغ الصينية. (أ ب) من المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة في 24 أيلول/سبتمبر الحالي. ستمثل الزيارة ثاني قمة بين الرئيسين الأميركي والصيني في نحو 5 أشهر، بعدما زار دونالد ترامب الصين في أيار/مايو الماضي. لعل أهم مخرجات هاتين الزيارتين هو وضع ضوابط للعلاقات كي لا تتجه نحو الصدام. بالتالي، من المنطقي ألا يتسبب الملف الإيراني بتفجير الوضع بين واشنطن وبكين في المدى المنظور. طوال أعوام، فضّلت الصين مداراة واشنطن في سياسة العقوبات على إيران بدلاً من المواجهة المباشرة. بين صيفي 2018 و2019، انخفضت واردات بكين من النفط الإيراني بنحو 60 في المئة. في 2020، عادت الصين وخفّضت نسبة وارداتها النفطية من إيران بنحو 77 في المئة عن السنة السابقة. وكما ذكرت شبكة "بلومبرغ" الأسبوع الماضي، حتى البنوك الصينية تتمتع بتاريخ من الامتثال للعقوبات الأميركية لا على إيران وحسب، بل أيضاً على كوريا الشمالية ومسؤولين في هونغ كونغ. وثمة تقارير أخرى تذهب باتجاه هذا المنحى. في 2025، اشترت الصين من إيران نحو 1.38 مليون برميل نفط يومياً. مع ذلك، اقتصر شراء النفط بشكل كبير على المصافي الصغيرة، فيما امتنعت الشركات الصينية الكبرى عن استيراد النفط الإيراني منذ ولاية ترامب الأولى بحسب "رويترز". منصة حفر صينية في بحر الصين الجنوبي. (أ ب) وفي 2026، انخفضت مجدداً نسبة واردات الصين من النفط الإيراني، مع استخدام موسع للسيارات الكهربائية ومنع تصدير الوقود وانخفاض نسبة السفر داخل الصين وتوسيع الاستثمار في الفحم واستخدام احتياطاتها الخاصة. في عام واحد تقريباً، وحتى يونيو/حزيران الماضي، انخفضت نسبة الطاقة الإنتاجية للمصافي الصينية التي تعالج النفط الخام إلى 71.6 في المئة، وهو أدنى مستوى لها منذ جائحة كوفيد-19، على ما نقلته "وول ستريت جورنال". الصين وأميركا... التسوية المعقولة؟ بمعنى آخر، لا تبدو الصين بحاجة اليوم إلى رفع وارداتها من النفط الإيراني، وهي انخفضت أساساً بعد الحرب بنحو الثلث لتبلغ تقريباً 800 ألف برميل يومياً في حزيران/يونيو وتموز/يوليو الماضيين، قبل أن تنخفض مجدداً إلى نحو 534 ألفاً في آب/أغسطس (حتى أوائل الأسبوع الثالث منه). عملياً، تقترب الصين والولايات المتحدة، ربما بشكل غير مقصود تماماً، من تسوية معقولة: خفض بكين شراء النفط الإيراني بما لا يصل إلى ذروة 2020 (حين استوردت نحو 400 ألف برميل يومياً فقط) وبما لا يستجر تهديداً أميركياً مستمراً يخاطر بإفشال زيارة شي إلى أميركا. أكياس من الكبريت الصلب في أحد موانئ محافظة جيانغسو الصينية، أبريل 2026. (أ ب) يحدث ذلك بالتوازي مع تباطؤ الإنتاج الصناعي في الصين والانخفاض الآلي لنسبة السفن الإيرانية الخارجة من مضيق هرمز بسبب الحصار البحري الأميركي على إيران. قد يكون هذا في المدى المنظور أفضل حل وسط بين الطرفين لا يظهر الصين بمظهر المتراجع أو الولايات المتحدة كطرف مستفز في قضية النفط الإيراني. وعلى أي حال، قد يستغرق الإعفاء الأميركي من العقوبات فترة طويلة. في 2018، دامت هذه الفترة نحو عام كامل للعقوبات النفطية، وأكثر للعقوبات المالية. يساعد ذلك أكثر على تهدئة الأوضاع بين الطرفين.