بدأت موسكو تجني مكاسب اقتصادية من التقارب مع واشنطن قبل التوصل إلى أي اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا. فبين تخفيف العقوبات الأميركية على الديزل الروسي، وإعادة فتح باب المفاوضات بشأن الأراضي والضمانات الأمنية، تتسع فرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لانتزاع تنازلات طالما طالب بها. وفي المقابل، يسعى دونالد ترامب إلى تحقيق اختراق ديبلوماسي يمنحه رصيداً سياسياً قبل انتخابات الكونغرس. أعادت محادثات المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مع فلاديمير بوتين، الأربعاء، في سانت بطرسبرغ، احتمال استئناف المفاوضات الثلاثية بعد 10 تشرين الثاني/نوفمبر، وسط تباين عميق بشأن شروط التسوية. وتكشف التحركات الأخيرة عن مسارين متوازيين: مفاوضات سياسية معقّدة بشأن مستقبل أوكرانيا، وتقارب اقتصادي بين موسكو وواشنطن قد يستمر بمعزل عن نتائجها. فأي مكاسب يمكن أن ينتزعها الكرملين، وإلى أي مدى يرتبط اندفاع الإدارة الأميركية بحسابات الانتخابات النصفية؟ "النهار" تستطلع هذه الاحتمالات من خلال قراءتين متباينتين من موسكو وكييف. شروط موسكو: الأرض والأمن والعقوبات من موسكو، يحدد الباحث المتخصص في الشؤون الروسية والعلاقات الدولية الدكتور سعد خلف، في حديث لـ"النهار"، خمسة مكاسب استراتيجية يتطلع بوتين إلى تحقيقها من أي اتفاق مرتقب مع الولايات المتحدة. أولها تثبيت المكاسب الإقليمية قانونياً، عبر انتزاع اعتراف أميركي ودولي بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم، وتكريس السيطرة على المناطق الأربع التي أعلنت موسكو ضمها. ويشمل ذلك انسحاب الجيش الأوكراني من الأجزاء المتبقية من دونباس، وتثبيت السيطرة الروسية على نحو 70% من منطقتَي زابوريجيا وخيرسون، وفق التصور الذي يعرضه خلف. أما المكسب الثاني فيتمثل في ضمان حياد أوكرانيا وإغلاق باب انضمامها إلى حلف الناتو نهائياً، إلى جانب اتفاقيات للضمانات الأمنية المتبادلة تمنع توسع الحلف شرقاً باتجاه مولدوفا وجورجيا، وتتيح إعادة النظر في انتشار القواعد العسكرية الغربية في أوروبا الشرقية. ويتعلق المكسب الثالث بحماية المنشآت الحيوية الروسية، عبر وقف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط. ويعتبر خلف أن هذه الضربات شكّلت أحد أشد مصادر الضغط على الاقتصاد الروسي خلال أربعة أعوام ونصف عام من الحرب، ويرى أن تأثيرها المباشر على قطاع الطاقة تجاوز في بعض جوانبه تأثير العقوبات الغربية. لكن المكسب الذي بدأ يتحقق فعلياً، بحسب قراءته، يتمثل في فصل التعاون الاقتصادي مع واشنطن عن التسوية السياسية. فقد فتحت "صفقة الديزل" بين ترامب وبوتين الباب أمام تخفيف أميركي محدد للعقوبات على صادرات الديزل الروسي حتى نيسان/أبريل 2027، رغم استمرار الخلافات بشأن الأراضي ومستقبل أوكرانيا. ويضع خلف تعزيز الشرعية الداخلية في المرتبة الخامسة، معتبراً أن اتفاقاً يكرّس المطالب الروسية الأساسية سيتيح لبوتين تقديم نتائج الحرب باعتبارها تحقيقاً لأهداف "العملية العسكرية"، بما يعزز شعبيته التي يقدّرها بنحو 70%، ويدعم استقرار النظام السياسي. ومع ذلك، يستبعد خلف تسوية شاملة وسريعة، في ظل رفض كييف الانسحاب من الأراضي المتنازع عليها، وتمسّك الدول الأوروبية بالعقوبات. ويرجّح أن يكون المكسب الأهم لموسكو استمرار تطبيع علاقاتها الثنائية مع واشنطن، حتى لو بقي النزاع الأوكراني من دون حل نهائي. زيلينسكي (في الوسط) امام مبنى البرلمان النرويجي، حيث حضر جلسةً في 21 أكتوبر 2026، (أ ف ب) في المقابل، يقدم رئيس تحرير موقع "أوكرانيا اليوم" محمد العروقي، في حديثه لـ"النهار" من كييف، قراءة مختلفة جذرياً، يعتبر فيها أن التحركات الديبلوماسية الأميركية الحالية تفتقر إلى مقومات مبادرة سلام جدية. ويربط العروقي جولات ويتكوف، من أوسلو إلى سانت بطرسبرغ، والحديث عن استئناف المفاوضات الثلاثية بعد 10 تشرين الثاني/نوفمبر، بحسابات ترامب الانتخابية. ويصف هذه التحركات بأنها "حملة علاقات عامة" تستهدف الناخب الأميركي قبل انتخابات الكونغرس، مستشهداً بـ"صفقة الديزل" التي يعتقد أنها تخدم هذا التوجه. وبحسب العروقي، تركز واشنطن ضغوطها على دفع كييف إلى وقف استهداف مصافي النفط الروسية، بالتزامن مع تراجع الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا، بينما لا تمارس ضغوطاً مماثلة على موسكو. ويستدل على موقفه باستمرار العمليات العسكرية الروسية، ولا سيما الضربات المكثفة التي استهدفت كييف عقب لقاء ويتكوف وبوتين. ويصف التصعيد بأنه "حملة انتقامية"، معتبراً أن السلوك العسكري الروسي يتناقض مع الحديث عن اقتراب السلام. ويلفت العروقي إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبدى استعداداً للبحث في تجميد خطوط القتال الحالية، لكنه يؤكد أن القرار الحاسم بشأن وقف الحرب يبقى بيد موسكو، باعتبارها الطرف الذي بدأها. وبين القراءة الروسية التي ترى في المفاوضا