تقترب واشنطن وتل أبيب من الجهوزية لضرب إيران مجدداً، لكن صناديق الاقتراع قد تسبق الطائرات. ففي 27 تشرين الأول/أكتوبر، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اقتراعاً قد يقرّر مستقبله السياسي، وبعد أسبوع، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، يخوض الرئيس الأميركي دونالد ترامب امتحان الانتخابات النصفية وسط ضغوط اقتصادية وشعبية متصاعدة. وبين الموعدين، تتقدّم الاستعدادات العسكرية لضرب طهران، فيما يتنازع التوقيتَ حسابُ الحرب وحسابُ صناديق الاقتراع. ووفق ما نقلته "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين ومطّلعين على الخطط، أعدّت الولايات المتحدة وإسرائيل تصوّرات لشنّ ضربات جديدة بعد الانتخابات الأميركية، تشمل مواقع الطاقة والمنشآت النووية وترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتكثّفت التدريبات العسكرية، بما فيها مناورات جوية فوق العراق، في موازاة حشد قوات وحاملات طائرات ومقاتلات أميركية، يُتوقّع اكتمال جهوزيتها مطلع تشرين الثاني/نوفمبر. وتحدّث التقرير عن احتمال ضئيل لشنّ الهجوم قبل نهاية تشرين الأول/أكتوبر، مع بقاء خيار عدم تنفيذه قائماً. وكان ترامب أعلن في 8 تشرين الأول/أكتوبر أنه لن يشنّ ضربات قبل الانتخابات، بعدما أرجأ خططاً سابقة. وفي تطوّر لافت، نفى نتنياهو، الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر، صحة التقارير التي أفادت بأن ترامب منعه من مهاجمة إيران، من دون الكشف عن مضمون محادثاتهما. وهو نفي يُبقي الخلاف على التوقيت موضع تساؤل. في إسرائيل، ترتبط المواجهة مع إيران بصورة نتنياهو الأمنية وقدرته على استقطاب الناخبين قبل الاقتراع. أما في أميركا، فتتداخل كلفة الحرب مع أسعار البنزين والقدرة الشرائية وحسابات الجمهوريين في الحفاظ على السيطرة على الكونغرس. وأظهر استطلاع "رويترز/إبسوس" المنشور في 19 تشرين الأول/أكتوبر تراجع التأييد لأداء ترامب إلى 31%، في ظل استياء من تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود. يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتيك، الدكتور روبرت رابيل، لـ"النهار" أن مخاوف الانتخابات النصفية تؤثر فعلاً في قرارات ترامب، لكنه يميّز بين تأثير هذه الحسابات وتحكّمها الكامل بالسياسة الخارجية، ولا سيما في مسائل الأمن القومي. ويذكّر بأن الرئيس الأميركي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يزال يتمتع بهامش واسع لاتخاذ القرار. في المقابل، يرى رابيل أن خسارة نتنياهو الانتخابات قد تطيح به من السلطة، ولذلك لا يستبعد لجوءه إلى ضربة ضد إيران لتعزيز صورته بوصفه قائداً قوياً، أو إلى تصعيد يفضي إلى تأجيل الاقتراع. ويشدّد على أن هذا السيناريو يبقى احتمالاً سياسياً، وليس قراراً اتُّخذ بالفعل. ويقدّم أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، كريم إميل بيطار، قراءة مشابهة. ويقول لـ"النهار" إن التصعيد قد يمنح نتنياهو فرصة لإعادة الاعتبارات الأمنية إلى صدارة النقاش، أو لتقديم نفسه قائداً يواجه تهديداً وجودياً، وربما تأجيل الانتخابات. أما ترامب، فقد تتحوّل الحرب إلى عبء على الجمهوريين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة واضطراب الملاحة في مضيق هرمز. لوحات إعلانية انتخابية لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وزعيم حزب الحساب العسكري والرهان الديبلوماسي لكن الانتخابات لا تختصر دوافع القرار العسكري. ويوضح الخبير في الشؤون الأميركية علي بردى لـ"النهار" أن الاستحقاقين الإسرائيلي والأميركي يؤثران في قرارات الحرب والسلام بدرجات متفاوتة، فيما تبقى الاعتبارات الاستراتيجية حاضرة بقوة. ويربط بردى خيارات ترامب بالسعي إلى انتزاع مكاسب في الملف الإيراني، تبدأ بالحدّ من البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، وتمتد إلى الصواريخ الباليستية والمسيّرات وتهديد الملاحة، فضلاً عن نفوذ حلفائها الإقليميين، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والجماعات العراقية الموالية لها. وفي هذا السياق، يمكن للتحشيد العسكري أن يخدم الضغط التفاوضي حتى قبل صدور قرار إطلاق النار. وهنا تظهر معضلة ترامب. فالضربة التي يريد منها فرض تنازلات على طهران قد تؤدي إلى ردود توسّع المواجهة وترفع أسعار النفط، بما يضاعف كلفتها السياسية في الداخل الأميركي. أما التأجيل، فيمنحه وقتاً لاستكمال الانتشار العسكري ومواصلة الاتصالات الديبلوماسية، لكنه يترك لنتنياهو هامشاً أضيق لتوظيف التطورات الأمنية قبل الاقتراع الإسرائيلي. صور للمرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي على جانب طريق تمرّ فيه السيارات في طهران في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) على رغم الحديث عن اختلاف الأولويات، أعلن ترامب في 18 تشرين الأول/أكتوبر دعمه الصريح لإعادة انتخاب نتنياهو، مشيداً بشراكته معه في مواجهة إيران. وتكشف هذه الخطوة أن التباين بشأن التوقيت لا يل