مرّت جلسة مجلس الوزراء على خير، لكن ليس بالقدر الذي يسمح بالقول إن الأزمة طُويت أو إن البلد تجاوز مرحلة التوتر. فقد انسحب وزراء القوات اللبنانية من الجلسة على خلفية عدم إحالة ملف شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، في وقت عاد فيه الهدوء، ولو الحذر، إلى المشهد الداخلي بعد ساعات كان فيها الشارع يغلي، وكانت البلاد تقف على حافة توتر سياسي وأمني لا يمكن الاستهانة بتداعياته. فالملف لم يكن تفصيلاً قضائياً عابراً، ولا مجرد خلاف على مرجعية التحقيق،بل كان عنواناً لصراع أكبر حول كيفية مقاربة السلطة لملف بالغ الخطورة، وحول قدرتها على اتخاذ قرارات من دون دفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والتوتر. ولو أُحيل الملف، كما كان يريد وزير العدل عادل نصار، إلى المجلس العدلي، لكان من المرجح أن تدخل البلاد في مرحلة جديدة من التصعيد، ولا سيما أن حزب الله كان قد أعلن بوضوح أنه لن يقبل بما يعتبره استهدافاً له، لذلك، فإن تراجع منسوب التوتر بعد جلسة مجلس الوزراء لا يعني أن الأزمة انتهت، وإنما يشير إلى أن الاتصالات السياسية نجحت، حتى الآن، في منع انتقال الخلاف من طاولة مجلس الوزراء إلى الشارع. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في أداء السلطة الحالية، حيث تذهب سريعاً إلى تكبير الحجر أولاً، ورفع سقف الخطاب والتهديد، ثم العودة إلى التريث بعد الاتصالات والضغوط، في حين أن البلد لا يحتمل هذه السياسة، فبعض الملفات لا تُدار بمنطق تسجيل النقاط السياسية، بل بمنطق حماية البلد ومنع الانفجار. هذه الطريقة في إدارة الملفات لا تعكس بالضرورة قوة الدولة، بل قد تعكس غياب التقدير السياسي الدقيق لحدود الممكن. فالسلطة التي تذهب إلى أقصى الخيارات ثم تعود عنها تحت ضغط الاتصالات، تضع نفسها، كما يقول مصدر وزاري أمام سؤال مشروع هل كانت تدرك منذ البداية حجم تداعيات ما تطرحه؟ أم أنها تتخذ قراراتها تحت تأثير اللحظة، ثم تبدأ لاحقاً في البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه وتمنع الانفجار؟ ولا شك، وفق المعلومات المتوافرة، في أن هناك ضغطاً أميركياً كبيراً على لبنان لمتابعة هذا الملف حتى النهاية، وهو ما عبّر عنه صراحة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لرئيس الجمهوريةالعماد جوزاف عون لكن المشكلة أن المطالب الأميركية، أياً كانت دوافعها وأهدافها، قد تكون في بعض الأحيان أكبر من قدرة السلطة على تحمّل تبعاتها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات تمسّ التوازن الداخلي والاستقرار الأمني والسياسي. ومن هنا جاء قرار مجلس الوزراء بإبقاء ملف المتفجرات المضبوطة قيد المتابعة القضائية والحكومية، من دون حسم مسألة إحالته إلى المجلس العدلي، وبذلك، لم يحسم مجلس الوزراء في جلسته أمس وجهة الملف، بل أبقى القرار مرتبطاً بمسار التحقيقات وما ستفضي إليه في المرحلة المقبلة. وبحسب المعلومات، فإن الملف سيُتابع قضائياً، وأن التحقيقات ستستمر، لكن الاتجاه الذي تبلور بعد الاتصالات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء كان يميل إلى عدم إحالته إلى المجلس العدلي وقد نشطت الاتصالات على خط المقرات الرسمية ، فضلاً عن اتصالات جرت بين حزب الله ومقربين من الرئيس نواف سلام، حيث أُبلغ الحزب بالمنحى الذي سلكته جلسة مجلس الوزراء، فضلاً عن تواصل عبر موفدين وشخصيات كان قد عاد على خط بعبدا ـ حارة حريك منذ أسبوع، وإن لم يصل بعد إلى مستوى يمكن البناء عليه. وتشير المعطيات إلى أن الاتصالات ستستمر بهدف الوصول إلى صيغة تقود إلى إحالة الملف إلى المحكمة العسكرية، انطلاقاً من اعتبار أن الشاحنة، بحسب هذا الطرح، لم تكن موجهة ضد الداخل ، وإنما كان استخدامها موجهاً ضد إسرائيل وفق اعتراف الحزب نفسه، وأن ما يتصل بنقل الأسلحة والذخائر يمكن أن يندرج ضمن اختصاص المحكمة العسكرية، في المقابل فإن الملفات المرتبطة بالاغتيالات والعبث بالأمن الداخلي، تُحال إلى المجلس العدلي. لكن المشكلة أن هذا التفسير نفسه بات جزءاً من المعركة السياسية، فلكل طرف قراءته للملف، ولكل جهة حساباتها في تحديد المرجعية القضائية التي ستتولى التحقيق. وهنا تحديداً تظهر، بحسب مصادر سياسية، خطورة التعاطي الحكومي مع القضية، لأن أي قرار لا يحظى بغطاء سياسي واسع يمكن أن يتجاوز الاشتباك السياسي إلى الشارع. الأكيد أن ملف الشاحنة بات ورقة ضغط حقيقية في العلاقة بين الدولة وحزب الله. فالملف، وفق المعطيات السياسية، قد يبقى سيفاً مسلطاً على رقبة الحزب، الذي يشدد على أنه لن يقف مكتوف اليدين أمام ما يعتبره استهدافاً له. ولذلك، يبقى الترقب سيد الموقف في الأيام المقبلة، فالجلسة الحكومية نجحت في تمرير قطوع صعب، لكنها لم تُنهِ الأزمة، فالملف ما زال مفتوحاً، والتحقيقات مستمرة، والاتصالات ستتواصل، فيما ستبقى مسألة الإحالة إلى المرجعية القضائية المناسبة معلقة على تطورات التحقيق وعلى ميزان الاتصالات السياسية والخارجي