أن يختار مستثمر عربي لبنان، فيضخّ فيه أمواله ويطلق مبادرات إنسانية، ثم يجد نفسه أمام خسائر ومضايقات وتهديدات، من دون أن يلمس تحركاً رسمياً جدياً لمعالجة شكواه؛ فهذه ليست حكاية مستثمر وحده، بل اختبار قاسٍ لدولة يُفترض أن تحمي من يثق بها ويستثمر في مستقبلها. هذه القضية أعاد الرئيس فؤاد السنيورة طرحها في مقاله عن واقع الاستثمار في لبنان، متوقفاً عند ما قال إنه تعرّض له رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، الذي ردّ برسالة تمسّك فيها بمحبته للبنان، وشكر السنيورة على إثارته قضيته وعلى ما أورده عن استثماراته ومبادراته الإنسانية. وكتب السنيورة أن الحبتور تعرّض، في البداية، لخسارة جزء من ودائعه في لبنان، في وقت لا تزال فيه الدولة عاجزة عن التوصل إلى حلول “معقولة ومقنعة وعادلة” لمشكلة الودائع. ثم أضاف أن رجل الأعمال الإماراتي واجه “كثيراً من المضايقات، وصولاً إلى حدّ التهجّم عليه وتهديده”، معتبراً أن ما جرى “لا يليق بنا أولاً كلبنانيين، ولا يجوز لشيء كهذا أن يحصل عندنا في لبنان لأشقائنا العرب”. والأشدّ إيلاماً، وفق ما أورده السنيورة، أن هذه الوقائع وصلت إلى مسامع كبار المسؤولين، من دون أن يتبعها تواصل يوازي حجم الشكوى أو اهتمام يطمئن المستثمر إلى أن الدولة تقف إلى جانبه. وكتب أن ذلك دفع الحبتور إلى إقفال عدد من المؤسسات التي أنشأها في لبنان، ما أدى إلى تسريح مئات العاملين. ولا يقف ما أورده السنيورة عند خسارة استثمار أو إقفال مؤسسات. فالحبتور، بحسب مقاله، أنشأ مؤسسة صحية في منطقة حرار في عكار، وقدم مساعدات إغاثية في أكثر من منطقة خلال الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان. هنا تتضح المفارقة: رجل أعمال مدّ يده إلى بلد يحتاج إلى الاستثمار والعمل وفرص الوظائف، فيما بقيت شكواه، كما وصفها السنيورة، بلا استجابة رسمية كافية. وكتب السنيورة منتقداً غياب المبادرة الرسمية: “لم يُبادر أحدٌ من المسؤولين اللبنانيين للاتصال بالسيد خلف الحبتور، كما ينبغي، ولا الوقوف على شكواه، أو الاطلاع على ما يُعاني منه”، داعياً إلى معالجة المشكلات، ولو بالحد الأدنى، على قاعدة “لاقيني ولا تغدّيني”. أما الحبتور، فاختار أن يردّ بتأكيد محبته للبنان. وكتب عبر حسابه على منصة “إكس”: “تحية تقدير إلى دولة الرئيس فؤاد السنيورة على مقاله الذي تناول فيه واقع الاستثمار في لبنان والتحديات التي يواجهها، وعلى طرحه الموضوعي والصريح لهذه القضية المهمة. وأشكره على ما ذكره عن استثماراتنا في لبنان ومبادراتنا الخيرية والإنسانية، التي كانت دائماً نابعة من محبتنا الصادقة لهذا البلد العزيز وشعبه. وأقول لدولة الرئيس إن لبنان سيبقى عزيزاً على قلبي، ومهما كانت الظروف والتحديات التي مررنا بها، فإن محبتنا له ولأهله لا تتغير. كل ما نتمناه هو أن يستعيد لبنان أمنه واستقراره، وأن تقوم فيه دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها، تحمي شعبها وتحفظ حقوق المستثمرين، وتعيد الثقة بمستقبله. أكرر شكري وتقديري لدولة الرئيس السنيورة، وأتمنى له وللبنان وشعبه كل الخير والتوفيق والنجاح.” رسالة الحبتور تختصر ما هو أبعد من الامتنان الشخصي: لبنان ما زال عزيزاً عليه، لكن المحبة وحدها لا تكفي لحماية استثمار أو منع تسريح موظفين أو استعادة الثقة. ما يحتاجه المستثمر، كما يحتاجه المواطن، دولة تسمع الشكوى وتتعامل معها بالقانون، وتثبت أن الحقوق لا تُترك رهينة الإهمال. والسؤال الذي طرحه السنيورة يبقى مفتوحاً: من يبادر؟