في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والسياسية على لبنان، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية والسجال حول دور الجيش في الجنوب، دعا العلامة السيد علي فضل الله إلى تحصين الوحدة الداخلية واعتماد "مواقف حكيمة" تحول دون الانزلاق إلى فتنة تمس السلم الأهلي، منوهًا في الوقت نفسه بموقف قيادة الجيش في مواجهة الاتهامات والضغوط الإسرائيلية. وخلال خطبتي صلاة الجمعة من مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، تطرق فضل الله إلى التطورات في الجنوب، معتبرًا أن إسرائيل تواصل اعتداءاتها من خلال الغارات واستهداف البنى التحتية والمؤسسات في القرى والبلدات، إلى جانب استمرار تحليق المسيّرات في الأجواء اللبنانية وصولًا إلى العاصمة. وأشار إلى ما وصفه برفض إسرائيل الاستجابة للمطالب اللبنانية المطروحة عبر المفاوضات، معتبرًا أنها تحاول تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية التطورات والتشكيك في أداء الجيش اللبناني ودوره الأمني. وفي هذا السياق، نوّه فضل الله بموقف قيادة الجيش، معتبرًا أنها رفضت الانصياع للمطالب الإسرائيلية على حساب المصالح اللبنانية وقرار الدولة. وقال إن إسرائيل "تريد للجيش اللبناني أن يكون أداة طيعة لتحقيق أهدافها"، مضيفًا: "ننوّه بموقف قيادة الجيش الرافضة للانصياع لإرادة هذا العدو وتلبية مطالبه على حساب مصالح اللبنانيين وقرارهم الحر". وكانت قيادة الجيش قد ردت في 20 تشرين الأول على اتهامات إسرائيلية مرتبطة بعملها جنوب الليطاني، مؤكدة أن الوقائع والإجراءات التي قامت بها موثقة لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، وأنها ملتزمة تنفيذ المهام الموكلة إليها، فيما اتهمت إسرائيل بمحاولة النيل من مصداقية المؤسسة العسكرية بالتزامن مع المفاوضات الجارية. ودعا فضل الله الدولة اللبنانية إلى مراجعة خياراتها في ضوء ما وصفه بـ"التعنت" الإسرائيلي، والاستعداد لمواجهة أي تصعيد محتمل في ظل التهديدات التي تصدر عن مسؤولين إسرائيليين. وفي موازاة الموقف من التطورات الحدودية، شدد فضل الله على ضرورة تعزيز الوحدة الداخلية، محذرًا من أن أي توتر إقليمي أو أمني قد يترك انعكاسات مباشرة على الداخل اللبناني. وقال إن المطلوب "الحكمة في اتخاذ القرارات والمواقف، منعًا لأي فتنة تمس بالسلم الأهلي"، مؤكدًا أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يجب أن يبقى من الأولويات، لتجنيب اللبنانيين المزيد من المعاناة ومنع استغلال الانقسامات الداخلية. كما توجه إلى وسائل الإعلام، داعيًا إياها إلى لعب دور في احتواء التوتر بدل تأجيجه، وإلى تعزيز التماسك الداخلي وعدم المساهمة في خطاب يزيد الانقسام بين اللبنانيين. وانتقل فضل الله إلى الملفين الاقتصادي والاجتماعي، معتبرًا أن على الحكومة إعطاء الأولوية للأوضاع المعيشية الصعبة، محذرًا من أن تداعيات الأزمة بدأت تنعكس على الأمن والاستقرار الاجتماعي. ونوّه بالمبادرات التي تهدف إلى مساعدة لبنان في معالجة أزماته الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز قدرة اللبنانيين على الصمود. وعلى المستوى الإقليمي، توقف فضل الله عند التهديدات المتكررة بتجدد المواجهة مع إيران، محذرًا من أن أي حرب جديدة ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن المنطقة واقتصادها. وقال إنه لا يستبعد حصول تصعيد في ظل ما وصفه بالمؤشرات والتهديدات والاستعدادات القائمة، معربًا في الوقت نفسه عن أمله في أن تنجح الوساطات في منع اندلاع مواجهة أوسع. ودعا الدول العربية والإسلامية إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في منع التصعيد ومعالجة أسباب التوتر، معتبرًا أنها ستكون من أكثر الأطراف تأثرًا بتداعيات أي حرب إقليمية جديدة. وختم فضل الله بالتشديد على ضرورة إبقاء القضية الفلسطينية في صلب الاهتمام العربي والإسلامي والدولي، معتبرًا أن الرهان يجب أن يبقى على دعم الشعب الفلسطيني، لا على النتائج التي قد تفرزها الانتخابات الإسرائيلية. وتأتي مواقف فضل الله بعد أيام من سجال مباشر بين الجيش اللبناني وإسرائيل بشأن أداء المؤسسة العسكرية جنوب الليطاني، إذ أكد الجيش أن عملياته موثقة وأنه ملتزم كامل واجباته وتعهداته، فيما اعتبر أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يعرقل جهوده ويهدد الاستقرار. وبذلك، جمع فضل الله في خطبته بين رسالتين أساسيتين: دعم موقف الجيش في مواجهة الضغوط الخارجية، والدعوة إلى تحصين الداخل اللبناني ومنع انتقال التوترات السياسية والأمنية إلى فتنة داخلية، بالتوازي مع التحذير من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.