في قلب أسواق مدينة صيدا القديمة، التي عرفها التاريخ باسم صيدون، يقف \"حمّام الجديد\" العثماني الذي يعود بناؤه إلى عام 1720.يستضيف هذا الموقع التراثي معرض الفنان البريطاني توم يونغ \"رنين\"، الذي أنجز على مدى الأشهر الماضية، سلسلة من اللوحات التي تتناول الحرب في غزة وجنوب لبنان.ومن مرسميه في بيروت والمملكة المتحدة، تفاعل مع الأحداث المأساوية لحظة وقوعها، محاولاً معالجة الألم عبر الإبداع، والتعبير عن تضامنه مع الذين يرزحون تحت وطأة أشكال العنف، والاحتفاء بالروح الإنسانية المتشبّثة بالانتماء والحياة.\"رنين\" 2026يجمع معرض \"رنين\" لوحات أنجزها الفنان استجابة للمأساة المستمرّة في جنوب لبنان وفلسطين. يواجه المعرض الكلفة الإنسانية للحرب، فيما يتأمّل في قدرة الذاكرة والثقافة والروح الإنسانية على البقاء، حتى حين تتعرّض الحياة لكل هذا الخراب.بعد مجموعة \"الجذور\"، التي عُرضت في آذار 2025، يتأمّل \"رنين\" في ما نفقده حين تقع الأمكنة والذكريات والأرواح في قبضة الصراع، وفي ما يبقى منها رغم كل شيء.بلدة يارون الجنوبية قبل الحرب الإسرائيلية عام 2024 بريشة توم يونغ- الشرقبلدة يارون في جنوب لبنان بعد الحرب الإسرائيلية بريشة الفنان. 2026 - الشرقتتنقّل اللوحات بين طبقات من التراث المعماري العريق في لبنان، وبين الناس الذين تتبدّل أحوالهم مع هذه المعالم. مواقع أثرية قديمة ومعالم معاصرة تتجاور مع مشاهد تكشف هشاشة الإنسان أمام العنف: الآثار الرومانية في صور وقلعة الشقيف؛ قرى وأراضٍ زراعية تنتظر عائلات تتوق إلى العودة إليها؛ حافلة مدرسية محطّمة تختزل ما يلحق بالطفولة والتعليم من أذى؛ ومسعفون يواصلون أداء مهمّاتهم وسط الخطر.في قلب المعرض، تبرز صورة أمل خليل، الصحافية وصديقة توم يونغ، التي قتلتها إسرائيل في 22 نيسان 2026. كانت أمل كتبت عن أعمال يونغ في حمّام الجديد، وكانت وجهاً مألوفاً في المكان، تزوره للاستمتاع بالمعارض وحضور الحفلات الموسيقية.ويكتسب حضور الصحافة والطب في معرض \"رنين\" معنى خاصاً داخل حمّام الجديد. فعلى مدى ثلاثة قرون، شكّل الحمّام مساحة للشفاء والتجمّع ورواية الحكايات. التقى فيه الناس، وتبادلوا تجاربهم، وعثروا على لحظات من الراحة وسط مشقّات الحياة.تُعرض اللوحات ضمن معرض \"إحياء\"، الذي يحتفي بالإرث المعماري والطبيعي الاستثنائي لمدينة صيدا. وتشغل الأعمال غرفة الساونا القديمة، وهي المساحة نفسها التي تضرّرت بفعل القصف الإسرائيلي عام 1982. وهكذا، لا تحمل اللوحات ذكريات الحرب وحدها، بل تتعلّق بذاكرة جدران شهدت بدورها على العنف والدمار، وعلى ما تلاهما من محاولات للنهوض من جديد.لا تسعى المجموعة الجديدة إلى تقديم إجابات سهلة عن مأساة ما تزال فصولها مفتوحة. بل هي تعبير عن التعاطف والتضامن مع الذين يعيشون تبعات الصراع، ورفض لأن يتحوّل تدمير الأرواح والأماكن والذكريات إلى مشهد عابر أو حقيقة غير مرئية.إنها تذكير بأن المباني قد تتضرّر، والأرواح قد تُزهق، لكن الذاكرة والإبداع والروح الإنسانية قادرة على الصمود والاستمرار. كما يصادف معرض \"رنين\" الذكرى السادسة لافتتاح معرض \"إحياء\" في حمّام الجديد.الفنان البريطاني توم يونغ - الشرقأبناء الجنوبيقول الفنان توم يونغ لـ\"الشرق\": \"في وقت طغى فيه عدم اليقين على جوانب كثيرة من الحياة في لبنان، ما يزال حمّام الجديد يسعى إلى أن يكون كما أراد له تاريخه أن يكون: ملاذاً للسلام والجمال والتواصل الإنساني\".ويضيف: \"بقي حمّام الجديد فاتحاً أبوابه في أوقات كان إقفالها فيها الخيار الأسهل. ظلّ مكاناً يجد فيه الفن والموسيقى والصحافة والحوار والذاكرة بيتاً يجمعها، ومساحة يبقى فيها اللقاء ممكناً رغمكلّ ما يحيط به من انقسام وخراب\".في بيانه الفني أهدى يونغ معرض \"رنين\" إلى أبناء جنوب لبنان، \"إلى الذين خسروا منازلهم وأرزاقهم وأحبّاءهم والأمكنة التي يسمّونها بيوتهم، وإلى كل من لا يزال يؤمن بأن الثقافة والتعاطف قادر على البقاء، حتى في أحلك الأوقات\".وختم قائلاً: \"ما يبقى ليس الحجر وحده، ولا الصورة وحدها، ولا الحكاية التي تُروى عن ماضٍ مضى. ما يبقى هو الإنسان، وحقّه في أن يتذكّر، وأن يحزن، وأن يعبّر، وأن يحلم بالعودة. وما دام ثمة من يفتح باباً، ويضيء قاعة، ويعلّق لوحة، ويرفع صوتاً بالحقيقة، فإن الذاكرة لن تُترك وحيدة في مواجهة النسيان\".ملصق معرض رنين - الشرق\"إحياء\" 2020يقام \"رنين\" ضمن معرض يونغ الدائم \"إحياء\"، الذي انطلق في أكتوبر 2020. ومنذ ذلك الحين، بقي الحمّام مفتوحاً حتى خلال الحرب الأخيرة عام 2024.تحتلّ اللوحات تحديداً غرفة الساونا القديمة، المعروفة باسم \"بيت النار\". فالنار هي العنصر الذي تتمحور حوله هذه القاعة، وهي أيضاً المساحة الوحيدة في الحمّام التي طالتها الحرب مباشرة عام 1982، عندما دمّرت قذيفة إسر