يبدأ السؤال بعد أن يفرغ البيت من المعزّين؛ تسكت الأصوات، وتبقى أشياء صغيرة في أماكنها: كرسيٌ فارغ، نظّارةٌ قرب كتاب، وثوبٌ خلف الباب، وفنجانٌ نعرف اليد التي كانت تحمله؛ يبدو كلّ شيءٍ مستعدًّا ليومٍ آخر، إلا صاحبه. نستعيد آخر حديثٍ معه، كان يتكلّم عمّا سيفعله، وعمّن يريد أن يراه، وعن أمرٍ تركه للأسبوع المقبل؛ كنّا نصغي إليه مطمئنّين إلى أن للحكاية بقيّة؛ ثم نجد أنفسنا أمام غيابٍ لم يستأذن ما بقي من الكلام. ويشتدّ السؤال حين يكون الراحل إنسانًا منح وجوده للآخرين، نشعر أن مكانه كان هنا، وأن أيدي كثيرة ما زالت تحتاج إلى يده، وأنه كان يستحقّ مزيدًا من الحياة، ننظر إلى ما لم يفعله بعد، ونقول من وجعنا: لم يكن أوانه. لكن بأيّ ميزانٍ نعرف أن حياةً اكتملت، أو أن الرحيل جاء مبكرًا؟ هل نعرف الإنسان بكلّ ما جاء إلى هذا الوجود من أجله، أم نعرف منه ما دخل في حكايتنا نحن؟ وربما، قبل أن نسأل لماذا انتهت حياته، علينا أن نقترب من السؤال الذي تركه غيابه في حياتنا: ما الذي نحن هنا من أجله؟ لم يختر أحدٌ منّا لحظة مجيئه إلى الحياة؛ وجدنا أنفسنا هنا، ثم بدأنا نتعلّم كيف نعيش؛ لكن هل جئنا لنقضي سنواتٍ ونرحل، أم أن لكلّ واحدٍ منّا رسالةً جاء إلى هذا الوجود ليعيشها؟ الفكرة التي ننطلق منها، هي أن الخالق يمنح كلَّ إنسانٍ، مع وجوده، رسالةً تخصّه؛ قد يكتشفها، وقد يعيشها من دون أن يعرف أنها رسالته؛ وحين تكتمل، ينتهي وجوده المادي ويعود إلى خالقه؛ هذه هي الرؤية التي نتأمّل من خلالها الوجود والموت، وما بينهما من حياة. كلُّ إنسانٍ كيانٌ قائمٌ بذاته؛ له شخصيّته وحمضه النووي الخاص وطريقته في الفهم والمحبّة، ولا يستطيع أحدٌ أن يعيش حياته بدلًا منه؛ ولهذا، فإن رسالته تخصّه أيضًا؛ قد ترتبط برسالة أمٍّ أو ابنٍ أو صديق، وقد تصل إلى أناسٍ لا يعرفهم؛ لكنها لا تذوب في رسالاتهم، كما أنه لا يصبح مجرّد امتدادٍ لهم؛ فنحن نتشارك الحياة، ولكلٍّ منّا ما يضيفه إليها. والمقصود بالرسالة بسيط: ما الذي جاء وجود هذا الإنسان ليحقّقه؟ قد يرعى إنسانًا، أو ينقل معرفةً، أو يحمي حياةً، أو يترك في آخرين محبّةً تمنحهم القدرة على الاستمرار؛ وقد تتحقّق رسالته عبر أفعالٍ صغيرة موزّعة على عمره، فلا يرى كيف اجتمعت، ولا يعرف إلى أين وصل أثرها. ولا يحتاج الإنسان إلى بطولةٍ يعرفها العالم كي تكون لحياته قيمة؛ فقد يترك أعمق أثره في حياة شخصٍ واحد؛ وقد يبحث طويلًا عمّا جاء من أجله، فيما يكون قد بدأ بعيشه في محبّةٍ يمنحها أو مسؤوليةٍ يحملها. لكن كيف نكتشف رسالتنا إذا كانت حياتنا تُقاد بما يريده الآخرون، أو بما تفرضه علينا مخاوفنا ورغباتنا؟ هنا تصبح الحرّية في صلب وجودنا؛ فكلّما تحرّرنا ممّا يستعبدنا، أصبحنا أقدر على فهم ما نحن هنا من أجله. لم نختر الدخول إلى الوجود، لكننا نشارك، باختياراتنا، في صنع الحياة التي نعيشها؛ قد نملك المال أو السلطة أو المعرفة، وتظهر حرّيتنا فيما نفعله بها: هل نخدم بها إنسانًا، أم نجعلها وسيلةً لإخضاعه؟ وهل نستطيع التخلّي عن منفعةٍ حين نعرف أنها تؤذي غيرنا؟ ما يستعبدنا لا يأتي دائمًا من الخارج؛ قد يكون أخطره ما نختاره بأنفسنا لأنه يلبّي رغباتنا؛ نتمسّك به، وندافع عنه، ونسمّيه حرّية، فيما نعجز عن الاستغناء عنه. قد يستعبدنا المال فنطلب المزيد مهما امتلكنا، أو إعجاب الناس فنقول ما يرضيهم، أو حبّ السيطرة فلا نشعر بقيمتنا إلا حين يطيعنا غيرنا. ولا تصبح الرغبة عبوديّةً لمجرّد أننا نحبّها؛ يبدأ استعبادها لنا حين نعرف أذاها، ثم نعجز عن رفضها؛ فالحرّية ليست أن أفعل كلّ ما أريد؛ إنها أيضًا أن أستطيع القول لرغبتي: لا، حين تقودني إلى ما يناقض ضميري. وهذا الاستعباد لا يأخذ من حرّيتنا فقط؛ يشدّنا بعيدًا عن الرسالة التي نحملها؛ مَن ينشغل بإعجاب الناس قد لا يسمع إنسانًا يحتاج إليه، ومَن يجعل الربح غايته قد يتخلّى عن حقٍّ جاء دوره في حمايته؛ نستهلك حياتنا في إرضاء ما نرغب، فلا ننتبه إلى ما يدعونا إليه وجودنا. ولا يعني ذلك أن مَن سُلبت حرّيته فقد قيمة وجوده أو رسالته؛ فالظلم الذي يقيّده لا يختصره؛ حديثنا هنا عن الحرّية التي نستطيع ممارستها، وعن القيود التي نملك مراجعتها، لكننا نفضّل أحيانًا الاحتفاظ بها. كلّما تحرّرنا ممّا يستعبدنا، أصبحنا أقدر على اكتشاف رسالتنا واختيار الوفاء لها؛ فالخالق يمنحنا الوجود، لكن الرسالة تحتاج إلى حرّيتنا كي نفهمها ونعيشها بوعيٍ ومحبّة. لكن التحرّر ممّا يستعبدنا لا يكفي وحده؛ فقد شدّدنا، منذ مقالاتنا الأولى في "نحو الإنسانية"، على أن الأخلاق أساسٌ لكلّ ما نبنيه من قيم؛ وهنا تظهر أهميّتها في توجيه حرّيتنا: ليس كلّ ما أستطيع فعله يحقّ لي أن أفعله؛ فالحرّية التي تنفصل عن الأخلاق تصبح تفلّتًا مؤذيًا، وتُبعد الإنسان عن رسالته بدل أن تساعده على عيشها؛ فكيف