لم تعد المنافسة الأميركية الصينية تتعلق فقط بمن يبيع أكثر، بل بمن يمتلك التكنولوجيا، ويموّل تطويرها، ويعرف ما ينجزه الطرف الآخر داخل مختبراته ومصانعه. وفي هذا السياق، أعاد تقرير عن مساعٍ داخل البنتاغون لتعزيز التجسس الاقتصادي، نفتها الوزارة، تسليط الضوء على التداخل بين الاقتصاد والأمن القومي. أفادت "الواشنطن بوست" نقلاً عن ستة أشخاص وصفتهم بالمطلعين، بأن البنتاغون يبحث تعزيز التجسس تحت غطاء غير رسمي ضد الصين ومنافسين آخرين، باستخدام عناصر يظهرون كرجال أعمال أو عاملين في القطاع الخاص. وبحسب التقرير، المنشور أول من أمس الأربعاء، لا تزال المبادرة في مرحلة التخطيط ولم تبدأ العمل. وفي رد على أسئلة الصحيفة، نفى البنتاغون وجودها، معتبراً المعلومات غير صحيحة، بينما امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) عن التعليق. ما المقصود بالتجسس الاقتصادي؟ يعني الغطاء غير الرسمي إخفاء الصلة بالحكومة وراء صفة مدنية أو مهنية. لكن استخدام غطاء تجاري لا يحدد، وحده، طبيعة المعلومات المطلوبة أو كيفية استخدامها. وهنا يلزم التمييز بين جمع معلومات اقتصادية لأغراض الأمن القومي، وسرقة أسرار صناعية لتسليمها إلى شركات منافسة. تختلف معرفة قدرات دولة على إنتاج الرقائق أو تأمين المعادن عن نقل تصميم منتج إلى شركة لتحسين قدرتها التنافسية. ولا تكفي المعلومات المنشورة لإثبات أن الخطة المنسوبة إلى البنتاغون تستهدف منح شركات أميركية أسراراً تجارية صينية. لذلك، فإن وصفها بأنها عملية قائمة لسرقة التكنولوجيا يتجاوز ما يمكن تأكيده. مقترح أميركي لتشديد الرقابة على الاستثمار وبعيداً عن البرنامج المنفي، ثمة خطوات اقتصادية معلنة. أمس الخميس، طرحت وزارة الخزانة الأميركية تعديلات مقترحة على برنامج مراقبة الاستثمارات الخارجية، تنفيذاً لتشريع أقره الكونغرس في كانون الأول/ديسمبر 2025. وتشمل المجالات الواردة في الإطار المقترح أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الكمية، والحوسبة العالية الأداء، والأنظمة فرط الصوتية، مع إضافة التكنولوجيا الحيوية. ويقوم النهج على حظر معاملات محددة وإلزام المستثمرين بالإخطار عن معاملات أخرى، لمنع استخدام التمويل الأميركي في تعزيز قدرات تعتبرها واشنطن تهديداً أمنياً. وهذه التعديلات لا تزال مقترحة وتخضع للتعليقات العامة قبل إصدار القواعد النهائية. وهي توسّع إطاراً رقابياً قائماً، ولا تعني فرض حظر شامل على الاستثمارات الأميركية في الصين. الرقائق وسلاسل الإمداد في قلب المنافسة يمتد هذا المسار إلى قيود التصدير. في كانون الأول 2024، أعلنت وزارة التجارة الأميركية فرض ضوابط شملت 24 نوعاً من معدات تصنيع أشباه الموصلات، وثلاث فئات من أدوات البرمجيات، والذاكرة العالية النطاق الترددي، وأضافت 140 جهة إلى قائمة الجهات الخاضعة إلى قيود التصدير. وشددت الوزارة على أن الإجراءات تستهدف الحد من قدرات الصين على تطوير رقائق متقدمة ذات استخدامات عسكرية، امتداداً لضوابط بدأ العمل بها في تشرين الأول 2022. وتوضح هذه الإجراءات كيف باتت المعدات والبرمجيات والمعرفة التقنية جزءاً من حسابات الأمن القومي، إلى جانب قيمتها التجارية. اقتصادياً، يشير الجمع بين القيود التي تستهدف التكنولوجيا والتمويل والاهتمام الاستخباري إلى منافسة تتجاوز الرسوم الجمركية. قد تحتاج الشركة التي تطوّر تقنية حساسة إلى التدقيق في هوية المستثمر، ووجهة التصدير، والاستخدام النهائي لمنتجاتها، فضلاً عن حماية بياناتها وخبرات موظفيها. وقد ترفع هذه المتطلبات تكاليف الامتثال وتؤثر في اختيار الشركاء ومواقع الاستثمار. لكن حجم الأثر يختلف بحسب القطاع والقواعد المطبقة، ولا يعني توقف التعاون التجاري والتكنولوجي بالكامل. لا تتوافر في المعطيات المتاحة نتائج تجارية يمكن نسبتها إلى برنامج التجسس المزعوم. الثابت هو استمرار توظيف أدوات الرقابة على التكنولوجيا ورأس المال، أما الخطة السرية فتبقى رواية صحافية ينفيها البنتاغون. وبين المسارين، تبرز قيمة المعرفة الصناعية باعتبارها مورداً استراتيجياً تتنافس الدول على حمايته والوصول إليه، فيما تتحمل الشركات جزءاً متزايداً من تكلفة هذا التنافس.