لم تكن قاعة اتحاد بلديات بعلبك قبل ايام مجرد مساحة لاستضافة لقاء عابر، بل بدت منبراً أساسياً لطرح قضية آلاف العائلات اللبنانية المهجرة قسراً من قرى حوض العاصي داخل الأراضي السورية. إنها قضيةٌ تتجاوز بأبعادها حدود الاصطفافات الحزبية والمناطقية لتمسّ جوهر المواطنة والسيادة والضمير الوطني. فمن بين ركام المنازل المحروقة وأشجار البساتين التي حُطّبت حتى جذورها، ارتفعت المطالبات لتضع السلطة اللبنانية أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية، ولتفضح واقعاً مؤلماً لم تعد تنفع معه سياسة إغماض العينين والتجاهل المتبادَل. تبدأ حكاية هؤلاء المهجرين من عمق التاريخ. ففي قرى حوض العاصي الممتدة على طول الحدود وفي الداخل السوري، من ربلة وزيتا وحاويك، إلى حوش السيد علي والعمادية، وصولاً إلى الصفاوة وغيرها، عاشت أكثر من 25 ألف أسرّة لبنانية تملك عقاراتها ومنازلها ومزارعها بموجب وثائق وسجلات رسمية يعود بعضها إلى أعوام 1750 و1800 خلال العهد العثماني. مؤتمر في قاعة اتحاد بلديات بعلبك هؤلاء المواطنون ليسوا طارئين على الانتماء، بل هم لبنانيون أباً عن جد، وقد حفظت القوانين حقوقهم مدى عقود طويلة، وظلوا يمارسون حياتهم ويشكلون نسيجاً اجتماعياً واقتصادياً يرفد الوطن ويحميه. إلا أن ويلات الحرب وتداعيات التهجير جرّدتهم من كل ما يملكون، ليعودوا إلى أحضان الوطن الأم فلا يجدوا سوى الجدار الصامت والجحود الرسمي. الحقوق العقارية والتجاهل الرسمي يضع النائب إيهاب حمادة الأزمة تحت مجهر الوثائق والسجلات الرسمية، معيداً التذكير بانتشار هذه العائلات داخل سوريا بوصفها مالكة أصلية للمنازل والعقارات والأراضي بموجب ملكيات ثابتة ومحمية بالقوانين المرعية في أكثر من 40 إلى 50 قرية وموقعاً سكنياً موزعاً بين المناطق الحدودية وداخل دمشق وحمص. وفي معرض نقد حاد لأداء السلطة اللبنانية التي "لا تعرف عن أبنائها شيئاً، ولا تريد أن تعرف"، يطرح حمادة علامات استفهام حول مغزى غياب دور اللجنة المشتركة بين لبنان وسوريا عن مناقشة حقوق هؤلاء المواطنين. ويلفت إلى حجم الكارثة الميدانية التي طالت أكثر من 25 إلى 30 ألف لبناني شهدت مناطقهم تدميراً وحرقاً ونهباً كاملاً للمنازل وتجريدها من أثاثها وبنيتها التحتية، فضلاً عن تحطيب البساتين بأسلوب يندى له الجبين. ومن هذا المنطلق، جاء التحذير من محاولات التلاعب العقاري وتوزيع أملاك اللبنانيين على آخرين، مقترناً بالمطالبة الحاسمة بضمان الحماية العقارية، وتعويض الممتلكات المدمرة، وحسم ملف المناطق الحدودية ذات الملكية اللبنانية الخالصة، مثل حوش السيد علي والعمادية والصفوة، إلى جانب معالجة الملفات العالقة في القطاعات التربوية والصحية والإغاثية بالتنسيق مع الوزارات المختصة. القضية الوطنية والمسار الحكومي يضع النائب غازي زعيتر، الملف في خانة "القضايا الوطنية الجامعة التي لا تنحصر بنواب أو كتل بعينها، بل تعني كل لبناني"، داعياً الحكومة إلى وضعها في صدارة أولوياتها ضمن الاتصالات الجارية مع الجانب السوري. ويعرض مسار اللقاءات التي جمعت النواب ومسؤولي العمل البلدي برئيس الحكومة ومتابعتها مع نائب رئيس الحكومة المعني باللجنة اللبنانية، مفصلاً متطلبات المرحلة الحالية، وفي مقدمها توفير بيانات ودراسات دقيقة تُحصي القرى والأسر اللبنانية المقيمة والممتلكات في سوريا. ولا يغفل زعيتر التنبيه إلى محورية دور وزارة الشؤون الاجتماعية في مساندة المواطنين الذين يواجهون ظروفاً قاسية جراء التهجير القسري وفقدان أرزاقهم، معتبراً أن الاستجابة الرسمية الواجبة تتطلب توفير السكن الملائم وفرص التعليم لأبناء هذه العائلات، إلى جانب استمرار التنسيق مع الجانب السوري لتسهيل العودة وحفظ الحقوق في أسرع وقت. مسؤولية الدولة والعقد الاجتماعي في السياق نفسه، يوجّه النائب رامي أبو حمدان نداءً مباشراً إلى مؤسسات الدولة ورئاساتها، رافضاً اختزال الواقع في "أرقام وإحصاءات مجردة"، وملقياً الضوء على معاناة الأسر التي اصطدمت بالإهمال بعد تجرعها ويلات التهجير. من هنا تبلورت المطالبة بإقرار "خطة طوارئ حقيقية وجدية، ذات أبعاد إنسانية وحيوية" تخفف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة عن كاهل المهجرين في ظل الأزمة الراهنة. ويعود أبو حمدان إلى البعد التاريخي ليربط بين مساهمة هؤلاء المواطنين في تعزيز الاقتصاد اللبناني وحقهم الطبيعي في أن تحتضنهم دولتهم باستحقاق ومن دون منّة. ويستدعي ذلك التركيز على ضرورة التحرك الحكومي عبر القنوات الديبلوماسية والمسار القانوني السليم لتثبيت الملكيات والأصول في سوريا ومنع أي مصادرة أو اعتداء عليها، معتبراً في ختام كلامه أن "الشعارات المرفوعة حول السيادة ومأسسة الدولة تبدأ عملياً من صون حقوق المواطنين، وتطبيق العدالة بينهم، وإدراج برامج عمل محددة بجداول زمنية تشرف ع