رحل النقيب الفرنسي بول باريل عن 80 عاماً، تاركاً وراءه مسيرة أمنية مثيرة للجدل امتدت من تأسيس مجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني الفرنسي إلى العمل في دوائر "فرانسافريك"، وصولاً إلى اتهامات لاحقته بشأن دوره في رواندا خلال الإبادة الجماعية عام 1994، من دون أن يُحاكم أو تُوجَّه إليه اتهامات رسمية نهائية في هذا الملف. وأعلن موقع "جندإنفو" التابع للدرك الوطني الفرنسي وفاة باريل مساء الثلاثاء، فيما أكدت مجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني وفاته، مشيرة إلى أنه كان يعاني منذ سنوات من مرض باركنسون. ووُلد باريل في 13 نيسان 1946 في بلدة فيناي جنوب شرقي فرنسا، ونشأ في عائلة مرتبطة بالدرك، إذ كان والده وجده من أفراده. وشارك عام 1974 في تأسيس مجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني الفرنسي تحت قيادة الملازم كريستيان بروتو، قبل أن يصبح نائباً لقائدها عام 1978، ثم يتولى قيادتها في تموز 1982. وأصيب باريل إصابة بالغة خلال تدريب عام 1983، ما دفعه إلى مغادرة المجموعة لاحقاً والتوجه إلى العمل في مجال الأمن الخاص. وفي عام 1979، قاد فريقاً من مجموعة التدخل أُرسل إلى السعودية للمساعدة في عملية تحرير رهائن احتجزهم مسلحون في المسجد الحرام في مكة. كما شارك لاحقاً في إنشاء خلية لمكافحة الجماعات المسلحة داخل قصر الإليزيه في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، قبل أن يرتبط اسمه بعدد من القضايا المثيرة للجدل. ومن بين أبرز هذه القضايا، اتهامات تعود إلى عام 1982 بشأن زرع أسلحة ومتفجرات في منازل أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى القوميين الأيرلنديين، كما أُدين لاحقاً في قضية تنصت على الهواتف، وصدر بحقه حكم بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة بقيمة 5,000 يورو. وفي الثمانينيات، انتقل باريل إلى العمل في الأمن الخاص، وبات واحداً من الأسماء المعروفة داخل شبكة "فرانسافريك"، التي تشير إلى منظومة العلاقات غير الرسمية بين فرنسا وعدد من مستعمراتها الأفريقية السابقة. وبحسب تقارير فرنسية، قدّم باريل أو عرض خدمات أمنية واستخباراتية واستشارية لعدد من القادة الأفارقة خلال التسعينيات، من بينهم أنج فيليكس باتاسي في أفريقيا الوسطى، وموبوتو سيسي سيكو في زائير، وفيليكس هوفويت بوانيي في كوت ديفوار، وعمر بونغو في الغابون، ودينيس ساسو نغيسو في الكونغو برازافيل. وشملت الخدمات المنسوبة إليه الحماية اللصيقة وتدريب الحرس الرئاسي والعمل في مجالات الاستخبارات العسكرية. لكن أكثر الملفات حساسية في مسيرته بقي مرتبطاً برواندا، إذ كان باريل مقرّباً من بعض مسؤولي نظام الرئيس جوفينال هابياريمانا، الذي أدى إسقاط طائرته في نيسان 1994 إلى تفجر موجة عنف انتهت بإبادة جماعية أودت بحياة أكثر من مليون شخص، معظمهم من التوتسي، وفق تقديرات الأمم المتحدة. وفي حزيران 2013، تقدمت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ومنظمة "سورفي" بشكوى أمام القضاء الفرنسي تتهم باريل بالتواطؤ في الإبادة الجماعية. واستندت الشكوى إلى اتفاق قيل إنه وقّعه في أيار 1994 مع حكومة رئيس الوزراء الرواندي آنذاك جان كامباندا لتوريد أسلحة وتدريب عناصر، في وقت كان مجلس الأمن الدولي قد فرض حظراً على بيع الأسلحة إلى رواندا. وفي المقابل، نفى باريل عبر محاميته أي تورط في هذه الاتهامات، وقال إنه كان يحقق في الهجوم الذي استهدف طائرة هابياريمانا. كما خضع للاستجواب أكثر من مرة في إطار التحقيق الفرنسي في حادثة إسقاط الطائرة، لكن ملف الإبادة الجماعية لم يصل إلى مرحلة توجيه اتهام رسمي بحقه. وبحسب منظمة "سورفي"، لم يُستمع إلى باريل في هذا الملف سوى مرة واحدة في أيار 2020 بصفة "شاهد مساعد"، وهي صفة قانونية وسطية بين الشاهد والمتهم في القانون الفرنسي. وفي كانون الأول 2020، أظهر تقرير طبي أن مرض باركنسون لديه بلغ مرحلة متقدمة حالت دون إخضاعه لمزيد من الاستجواب أو المواجهة القضائية. ورغم ذلك، شككت "سورفي" في مدى عجزه عن الإدلاء بإفادته، مستندة إلى مقابلات لاحقة ظهر فيها وهو يستعيد تفاصيل من مراحل مختلفة من حياته. وبوفاته، يُطوى فصل من أكثر المسارات الأمنية الفرنسية إثارة للجدل، فيما يبقى اسمه مرتبطاً بملفات حساسة في فرنسا وأفريقيا، ولا سيما رواندا، حيث رحل من دون أن يخضع لمحاكمة نهائية في الاتهامات التي وُجهت إليه.