لم تعد السرية وحدها تحكم التحضيرات العسكرية الإسرائيلية والأميركية كما في السابق. ففي ظل التوتر المتجدد مع إيران، تحوّل المشهد إلى سيل متواصل من التصريحات والتسريبات والتهديدات والنفي وتقارير تحركات القوات، في أسلوب قد يهدف إلى إرباك طهران وإغراقها بالمعلومات، لكنه في الوقت نفسه يترك الجمهور الإسرائيلي أمام صورة مشوشة لا يعرف فيها ما هو حقيقي وما هو جزء من حرب نفسية وإعلامية. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، فإن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا في السابق، عند الاستعداد لحرب أو لعملية عسكرية كبيرة، تعتمدان مبدأ المفاجأة، بحيث تعمل الجيوش وأجهزة الاستخبارات على إخفاء النيات قدر الإمكان، وتقليص دائرة المطلعين، والحفاظ على سرية شبه كاملة حتى اللحظة التي تكون فيها الطائرات قد أقلعت والقنابل بدأت تصيب أهدافها. إلا أن هذه القاعدة لم تعد قائمة بالشكل نفسه، إذ تبدو المعادلة مختلفة اليوم على خلفية التوتر المتجدد مع إيران. فإلى جانب التحضيرات العسكرية، هناك عدد لا ينتهي من التصريحات العلنية والتسريبات والتهديدات والنفي والتقارير المتعلقة بتحركات القوات، ما يؤدي إلى إغراق الفضاءين الإعلامي والعام بالمعلومات. وبحسب التقرير، فإن المعركة على الوعي تدور بكامل قوتها حتى قبل اتخاذ قرار نهائي بتنفيذ هجوم، إذ إن جزءًا من المعلومات المتداولة حقيقي، فيما يهدف جزء غير قليل منها فقط إلى صناعة ضجيج إعلامي، وإغراق الخصم بالمعلومات، وخدمة مصالح الجهة التي تنشرها. والمنطق الذي يقف خلف هذا التغيير بسيط نسبيًا: ليس من الضروري دائمًا إخفاء كل المعلومات عن الخصم، بل قد يكون من الأفضل أحيانًا تعريضه لكمية هائلة منها إلى درجة يصبح معها غير قادر على التمييز بين التهديد الحقيقي والرسالة التي تهدف فقط إلى الردع، أو بين التحضير العملياتي الفعلي والخطوة المصممة لدفعه إلى تغيير انتشار قواته، أو رفع مستوى الجهوزية، أو كشف بعض قدراته. فالرسائل التي قد تكون مصممة لإرباك طهران تصل في الوقت نفسه إلى تل أبيب وحيفا وبئر السبع وإلى كل منزل داخل إسرائيل، ويُطلب من الجمهور محاولة فك الصورة نفسها من دون امتلاك معلومات استخباراتية أو القدرة على معرفة أي من المنشورات يعكس الواقع، وكيف يجب أن يتصرف بناءً عليها. ويشير التقرير إلى أن أحدث الأمثلة على ذلك جاء في تقارير نشرتها صحيفة "Financial Times"، قالت إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر الجيش الإسرائيلي بالاستعداد لهجوم واسع على إيران، كان مخططًا لتنفيذه في نهاية الأسبوع الذي يوافق 10 تشرين الأول، لكنه أُلغي أو أُرجئ بسبب معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ووفق ذلك التقرير، كانت الخطة تتضمن هجمات على منشآت نووية وبنى للطاقة ومواقع مرتبطة بالنظام الإيراني. لكن تقريرًا آخر قدّم صورة مختلفة، وقال إن الجيش الإسرائيلي لم يتلقَّ أمرًا بتنفيذ هجوم بالشكل الذي جرى وصفه. ويرى التقرير أن هذا النمط يتكرر منذ نحو عامين، وأن الفارق بين الروايات يوضح المشكلة الأساسية، إذ يتلقى الجمهور صورة جزئية ومتناقضة ومربكة أحيانًا. وحتى عندما تكون بعض المعلومات قائمة على مصادر موثوقة، فإن ذلك لا يعني أنها تكشف الصورة العملياتية الكاملة. كذلك، فإن نشر المعلومة بحد ذاته لا يثبت أنها تسريب متعمد هدفه تضليل إيران. فقد يكون الأمر جزءًا من صراع سياسي، أو رسائل موجهة إلى واشنطن، أو محاولة للضغط على طهران، أو معلومة خرجت إلى العلن من دون هدف استراتيجي محدد، أو ببساطة محاولة لصناعة "ضجيج" يرهق أجهزة الاستخبارات الإيرانية. ومن وجهة نظر إيران، فإن كل هذه الاحتمالات تقود إلى السؤال نفسه: ماذا تنوي إسرائيل والولايات المتحدة فعله فعلًا؟ كما أضافت زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل ولقاؤه نتنياهو في قاعدة عوفدا طبقة إضافية إلى المشهد. وبحسب "رويترز"، ناقش الرجلان التهديدات الإقليمية والتعاون بين البلدين في المجالين الهجومي والدفاعي. ولا يثبت مجرد حصول الزيارة أن قرارًا بالهجوم قد اتُخذ، لكنه ينسجم مع صورة توتر متصاعد واستعدادات أمنية متواصلة. ويشير التقرير إلى أن الفرق بين الإخفاء والتضليل ليس جديدًا. فعشية الهجوم الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025، نُشر أن إسرائيل استخدمت، من بين وسائل أخرى، غطاءً تمثل في عقد نقاش سياسي حول ملف الأسرى من أجل إخفاء نيتها الخروج إلى العملية. وبحسب مصدر إسرائيلي نُقل عنه في إحدى الصحف، كان الهدف من الخطوة دفع طهران إلى الاطمئنان والحفاظ على عنصر المفاجأة. وهذا هو المنطق التقليدي للعمل العسكري: منع الخصم من معرفة ما سيحدث ومتى وأين. لكن في الواقع الحالي، حيث تنكشف التحركات العسكرية بسرعة عبر صور الأقمار الصناعية ومراقبة حركة الطائرات والمنشورات على شبكات التواصل والت