تتسع دائرة الدول المستعدة للوقوف عسكريًا إلى جانب السعودية، من بريطانيا وفرنسا إلى تركيا وباكستان ومصر، عبر طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي ورادارات ومساعدات استخبارية وتقنية، لكن هذا الاصطفاف الواسع يصطدم حتى الآن بخط أحمر واضح: حماية الأراضي السعودية ممكنة، أما الدخول في حرب مباشرة داخل اليمن ضد الحوثيين فمسألة أخرى تمامًا. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "mako" الإسرائيلي، فإن الصورة التي تتشكل حول السعودية تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها نواة لتحالف عسكري واسع، غير أن التدقيق في التزامات الدول المشاركة يكشف أن معظمها يصر على حصر دوره في الدفاع، من دون إرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في هجمات مباشرة ضد الحوثيين. وتبرز بريطانيا بوصفها المثال الأوضح على هذا التوجه. فقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية في وقت سابق من الأسبوع نشر مقاتلات "تايفون" في السعودية، إلى جانب طائرة نقل ومستشارين عسكريين ومساعدات إضافية. وستتمكن طائرات "تايفون" من اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي قد تُطلق باتجاه الأراضي السعودية، إلا أن وزارة الدفاع البريطانية أكدت أنها لن تشارك في تنفيذ هجمات ضد الحوثيين داخل اليمن. كما تعمل بريطانيا على تمديد قدرة الطائرات السعودية على البقاء في الجو عبر توفير التزود بالوقود بواسطة طائرة صهريج بريطانية موجودة أصلًا في المملكة، ما يعني أنها تساهم في دعم الجهد العسكري السعودي، من دون أن تتولى بنفسها الجانب الهجومي من العمليات. وفرنسا بدورها أعلنت تقديم مساعدات للسعودية تشمل أنظمة دفاع جوي ورادارات وأفرادًا للمساعدة في حماية البنية التحتية، خصوصًا في محيط منشآت الطاقة. لكن التركيز الفرنسي، كما هو الحال مع بريطانيا، ينصب على حماية الأراضي السعودية، لا على الانخراط الفرنسي المباشر في حملة عسكرية ضد الحوثيين داخل اليمن. أما تركيا وباكستان فتقدمان صورة مشابهة. فقد وقعت الدولتان مع السعودية اتفاق دفاع مشترك، فيما تدفع أنقرة في الأيام الأخيرة باتجاه إرسال عسكريين إلى المملكة. ومع ذلك، فإن الاتفاق، بحسب التقرير، دفاعي بالدرجة الأولى، إذ أوضحت باكستان رسميًا أن قواتها لن تعبر الحدود إلى اليمن بهدف مهاجمة الحوثيين. ومن المتوقع أن تركز تركيا من جانبها على الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والاستخبارات والدعم التقني. وتقترب مصر أيضًا من السعودية، في ظل امتلاكها مصلحة مباشرة في حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. وقد أدانت القاهرة هجمات الحوثيين وأعلنت دعمها للإجراءات التي تتخذها السعودية للدفاع عن نفسها. لكن في الحالة المصرية أيضًا، يدور الحديث حتى الآن بصورة أساسية عن المساعدة في الدفاع عن السعودية، وليس عن دخول مصر في حرب برية داخل اليمن، مع بقاء احتمال مشاركة مقاتلات مصرية في عمليات جوية داخل اليمن قائمًا. ويطرح هذا المشهد سؤالًا أساسيًا: إذا كانت هذه الدول مستعدة لإرسال مقاتلات وأنظمة دفاع جوي ورادارات وقدرات استخبارية وطائرات للتزود بالوقود وحتى أفراد عسكريين، فلماذا ترسم جميعها تقريبًا حدًا واضحًا عندما يصل الأمر إلى تنفيذ هجوم داخل اليمن؟ وبحسب التقرير، لا يوجد سبب واحد، بل مجموعة عوامل متداخلة تشمل التجربة السعودية السابقة، والبنية العسكرية الموزعة للحوثيين، والدور الإيراني، والتركيبة القبلية والسياسية في اليمن، وقبل كل شيء الخشية من الانجرار إلى حرب لا توجد لها نقطة نهاية واضحة. فالسعودية خاضت هذه التجربة من قبل. في عام 2015، دخل الجيش السعودي الحرب على رأس تحالف ضد الحوثيين، بعد سيطرتهم على مساحات واسعة من اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء. وكان لدى السعودية حينها، كما اليوم، سلاح جو كبير ومتطور، وقدرات استخبارية، وأسلحة غربية، ودعم دولي. ومع ذلك، لم يُهزم الحوثيون بعد سنوات من القتال. بل على العكس، تمكنوا من الصمود خلال الحرب، وتعزيز وجودهم على الأرض، وتحولوا تدريجيًا إلى قوة عسكرية أكبر بكثير من تلك التي كانوا عليها عند بداية المواجهة. وبدعم إيراني واسع، طور الحوثيون قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، وتعلموا كيفية إخفاء البنى العسكرية وتوزيعها، كما نجحوا في تحويل طبيعة الجغرافيا اليمنية، وخصوصًا المناطق الجبلية في الشمال، إلى عنصر قوة مهم. وهذا، وفق التقرير، قد يكون الدرس الأساسي الذي تستخلصه اليوم كل من السعودية والدول الغربية: يمكن ضرب الحوثيين، وتدمير منصات إطلاق ومخازن، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن تفكيك التنظيم فعليًا يتطلب أكثر بكثير من ذلك. فحسم المعركة يتطلب حملة جوية أوسع بكثير، إلى جانب قوات برية كبيرة تدخل الأراضي اليمنية في إطار حرب شاملة. فالحوثيون ليسوا دولة تملك مركز ثقل واحدًا يمكن قصفه وإسقاطه، بل تنظيم مندمج داخل أراضي دولة فقيرة ومفككة. ويمتلكون أنظمة تحت ا