"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحاده كتب العميد منير شحادة عضو مجلس إدارة وكبير المستشارين لشؤون المشرق _مجموعة حلول الإستخبارات الإستراتيجية لم يكن ما جرى صباح اليوم في (فرش الهوى) في الخليل في الضفة الغربية مفاجئا، بل كان نتيجة حتمية. حين يتحول حاجز عسكري إلى رمز يومي للإذلال، وحين يصبح الطريق إلى المدرسة والعمل والمستشفى رحلة إذلال وتفتيش، فإن الانفجار يصبح مسألة وقت. الرقم الأكثر خطورة في بيان الجيش الإسرائيلي اليوم ليس عدد المصابين الستة، ولا حالة الاثنين الحرجة جدا، بل هو الرقم الذي ردده المسعف الإسرائيلي نفسه صارخا:(إطلاق النار مستمر منذ أكثر من ٢٠ دقيقة، لا نستطيع إجلاء الجرحى!) في قاموس الاحتلال، الحواجز العسكرية هي مناطق قتل محكمة. برج مراقبة محصن، كاميرات حرارية، أسلحة أوتوماتيكية، وغطاء جوي واستخباراتي. المعتاد أن أي هجوم ينتهي في ٣٠ ثانية بتصفية المنفذ. أن يستمر الاشتباك ٢٠ دقيقة يعني ٣ أمور خطيرة: أولا: انهيار الردع الفوري. المنفذان لم يأتيا لتنفيذ عملية طعن عابرة ويموتا. بل جاءا بسيارة بلوحة إسرائيلية للتمويه، وببندقية ومسدس وذخيرة كافية لخوض معركة. تمركزا قرب موقع يشرف على البرج، ورصدا المكان، ثم فتحا نيرانا متقاطعة. هذا تخطيط عسكري، وليس عملا فرديا مرتجلا. الكتيبة التي تم استهدافها هي كتيبة احتياط من قيادة الجبهة الداخلية، في أول مهمة عملياتية لها في الضفة حسب الإعلام العبري. إرسال قوات غير مدربة على حرب العصابات إلى أكثر المناطق حساسية في الخليل هو استخفاف ناتج عن سحب الفرق النظامية إلى غزة ولبنان. الـ ٢٠ دقيقة كشفت فراغا عملياتيا، حيث اضطر قائد اللواء وقائد القيادة الوسطى للتوجه بأنفسهم إلى المكان. (فرش الهوى) ليس حاجزا عاديا. هو البوابة الغربية للخليل، يمر منه يوميا عشرات الآلاف من الفلسطينيين. يمثل للخليلي كل شيء: الانتظار لساعات، التفتيش المهين، منع المرضى والطلاب. أن يتحول هذا الرمز من أداة سيطرة إلى ساحة اشتباك يصمد فيها فلسطينيان ٢٠ دقيقة أمام جيش، فهذه صورة ستبقى في ذاكرة جيل كامل. الاحتلال يبني هيبته على أنه لا يُقهر، و٢٠ دقيقة نسفت تلك الهيبة. لمن لا يعرف الخليل، هذه ليست مجرد مدينة، هي مختبر للاحتلال بكل تفاصيله. منذ سنوات، يعيش الفلسطيني هناك بين مطرقة الجيش وسندان المستوطن. في مسافر يطا، في تل الرميدة، في جنوب الخليل، تُحرق المنازل وتُقطع أشجار الزيتون وتُسرق الأغنام على يد مستوطنين مسلحين، والجندي الإسرائيلي يقف يشاهد، بل يحمي المهاجم ويعتقل الضحية. تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) توثق أكثر من ١٣٠٠ اعتداء للمستوطنين في الضفة منذ بداية العام الحالي وحده، ٩٠٪ منها يمر دون محاسبة. حكومة نتنياهو، التي تضم وزراء من غلاة المستوطنين، شرعنت هذا العنف، ووزعت أكثر من ٢٠٠ قطعة سلاح على المستوطنين، وحولت جيش الاحتلال إلى شركة حراسة خاصة لهم. العالم ساكت. بيانات إدانة خجولة، تقارير تُوضع في الأدراج، ومجلس أمن مشلول. الفلسطيني في الضفة يرى غزة تُباد، ويرى أرضه تُنهب أمام عينيه، ويرى جاره المستوطن يبني فيلا على أرضه بحماية دبابة، ثم يُطلب منه أن يبقى هادئا. عملية اليوم لم تستهدف حافلة مدنيين، بل استهدفت برجا عسكريا وكتيبة احتياط عند مفترق استيطاني يقطع أوصال الخليل. هي رسالة تقول: إذا كان القانون الدولي لا يحمي بيوتنا، وإذا كان الجيش يحمي من يعتدي علينا، فإننا سنواجه الجيش نفسه. إسرائيل سترد كعادتها بإغلاق القرى، وفرض حظر التجول على سعير وحلحول وبيت كاحل، واعتقال العشرات، لكنها لن تعالج السبب. السبب هو احتلال عمره ٥٨ عاما في الضفة و٧٨ عاما في فلسطين، ومستوطنات هي جريمة حرب حسب المادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة، وجيش يحول الحواجز إلى سجون مفتوحة. من لا يريد أن يرى ٢٠ دقيقة من إطلاق النار في الخليل، عليه أن يوقف ٢٠ عاما من إطلاق النار اليومي للمستوطنين على أطفال الخليل.