أثار مشروع لمعالجة النفايات العضوية باستخدام يرقات ذبابة «الجندي الأسود» في مدينة منزل بوزلفة بولاية نابل، شمال شرقي تونس، احتجاجات متواصلة منذ أسابيع. وتصاعد التوتر مساء الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر، مع وفاة أحد المحتجين في حادث سير أعقب توتراً في محيط المصنع، وإضرام النار في المنشأة، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات الوفاة. وأعادت هذه التطورات فتح النقاش بشأن موقع المشروع وشروط الترخيص له، في ظل مخاوف السكان من انعكاساته المحتملة على الصحة والبيئة والنشاط الزراعي في المدينة المعروفة بإنتاج الحمضيات. موقع المصنع في صلب الاعتراضات يحتج سكان منزل بوزلفة على إقامة المشروع في قلب المدينة، ويرفضون اختيار منطقة ذات نشاط زراعي لاحتضان منشأة لمعالجة النفايات العضوية. ويقول محتجون لـ«النهار» إن تحركاتهم السلمية استمرت أسابيع من دون أن يتلقوا، بحسب روايتهم، توضيحات كافية بشأن تأثير المشروع المحتمل في محيطهم. ويقول الفنان التونسي مصطفى الدلاجي، ابن منزل بوزلفة الذي انضم إلى الاحتجاجات، لـ«النهار» إن ما شهدته المدينة يعكس احتقاناً تراكم خلال الأسابيع الماضية، نتيجة رفض السكان إقامة المصنع قرب مؤسسات تعليمية وصحية، وشعورهم بأن اعتراضاتهم لم تلقَ الاستجابة المطلوبة. ويضيف أن الزراعة ركيزة أساسية لاقتصاد المدينة، وأن الأهالي يخشون تأثير النشاط الصناعي في أراضيهم ومصادر المياه التي يعتمدون عليها. وينقل مخاوف متداولة بين السكان بشأن استقبال المشروع نحو 100 طن من النفايات يومياً، مستنكراً تحويل مدينة زراعية إلى «مصب للنفايات». ويبقى هذا الرقم، الوارد على لسانه، بحاجة إلى تأكيد من الجهة المشغّلة أو السلطات المعنية. من جهته، يقول جمال الزيادي، عضو المجلس الجهوي بنابل، لـ«النهار» إن السكان نظموا تحركات سلمية رفضاً للمشروع، معتبراً أن موقعه غير مناسب، وأن غياب التواصل مع الأهالي وشرح الضمانات البيئية والصحية ساهما في تأجيج مخاوفهم. يشير الزيادي إلى أن تجربة وحدة مماثلة في مدينة قرمبالية القريبة، حيث سُجلت شكاوى واعتراضات على آثارها البيئية، عززت مخاوف سكان منزل بوزلفة. وينقل عن بعض المزارعين شكاوى من تضرر مزروعاتهم، وهي أضرار ينسبونها إلى نشاط تلك الوحدة. وكانت وحدة قرمبالية قد واجهت احتجاجات وشكاوى بشأن آثارها البيئية، أعقبها سحب تصنيفها الصناعي وإغلاقها مؤقتاً إلى حين إجراء التعديلات اللازمة. ويطالب الأهالي، وفق الزيادي، بنشر المعطيات المتعلقة بمشروع منزل بوزلفة، وتوضيح كميات النفايات التي سيستقبلها ومصادرها، وإتاحة نتائج التقييمات البيئية، والتحقق من ملاءمة الموقع لهذا النشاط قبل السماح بتشغيله. سوء إدارة المواد العضوية قد يؤدي إلى انبعاث الروائح والغازات، وتسرّب عصارة النفايات إلى التربة والمياه الجوفية، فضلاً عن انتشار الحشرات والآفات تحويل النفايات إلى بروتينات وزيوت تعتمد هذه المشاريع على استخدام يرقات ذبابة الجندي الأسود لمعالجة أنواع من المواد العضوية، وإنتاج كتلة حيوية يمكن استخلاص البروتينات والزيوت منها واستخدامها في صناعة الأعلاف الحيوانية، وفق الشروط الفنية والصحية المطلوبة. ويوضح الخبير البيئي مهدي العبدلي أن هذه التقنية تندرج ضمن تطبيقات الاقتصاد الدائري، الذي يهدف إلى تحويل النفايات إلى موارد وإعادة استخدامها في عمليات إنتاجية. لكن الجدوى البيئية للمشروع، بحسب العبدلي، تتوقف على طبيعة المواد المستخدمة في تغذية اليرقات، وكميات النفايات المعالجة، وطرق التخزين والتهوية، والتحكم في الروائح، ومعالجة السوائل الناتجة من التحلل، فضلاً عن إدارة المخلفات ومراقبة المنتجات النهائية. ويؤكد أن مشروع منزل بوزلفة لا يُعدّ ملوِّثاً بالضرورة لمجرد اعتماده على يرقات الحشرات، مشدداً على وجوب التحقق من ظروف تشغيله ومدى التزامه الشروط الفنية والبيئية. سلامة التشغيل تتجاوز الحشرة نفسها يحذر العبدلي من أن سوء إدارة المواد العضوية قد يؤدي إلى انبعاث الروائح والغازات، وتسرّب عصارة النفايات إلى التربة والمياه الجوفية، فضلاً عن انتشار الحشرات والآفات. وفي ما يتعلق بالصحة العامة، يربط الخبير المخاطر المحتملة بطبيعة المواد المنبعثة ومستويات التعرض لها ومدته. ويوضح أن ذبابة الجندي الأسود تختلف بيولوجياً عن الذبابة المنزلية، لكن تقييم سلامة المنشأة يتطلب فحص عمليات المعالجة والتخزين وإدارة المخلفات بأكملها، ولا يقتصر على خصائص الحشرة. ويشدد على ضرورة التثبت من التراخيص الممنوحة للمشروع ومدى خضوعه لدراسة تقييم الأثر البيئي، المعروفة في تونس بـ«دراسة المؤثرات على المحيط». تأتي قضية منزل بوزلفة في سياق تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالبيئة في تونس. فقد رصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، نحو 1