تحوّلت عمليات النسف والقصف المتواصلة في قطاع غزة إلى ما يشبه "زلازل يومية" تهزّ الأرض والمباني، مفاقمةً خطر انهيار آلاف المنشآت المتصدعة فوق سكانها، في وقت يعيش فيه عشرات آلاف الفلسطينيين داخل مبانٍ متضررة أو بمحاذاتها لعدم توافر بدائل سكنية آمنة. وينفذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف مكثفة داخل المناطق الواقعة ضمن نطاق "الخط الأصفر"، الممتد من مدينة رفح جنوباً، مروراً بالمناطق الشرقية من خان يونس ومخيمات وسط القطاع، وصولاً إلى البلدات الشمالية. ويقول الجيش الإسرائيلي إن هذه العمليات تستهدف شبكات أنفاق طويلة تمتد في تلك المناطق، فيما يترافق ذلك مع قصف في عمق قطاع غزة باستخدام صواريخ ثقيلة تحدث اهتزازات يشعر بها سكان مناطق بعيدة عن مواقع الاستهداف. وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استخدم الجيش الإسرائيلي خلال 3 أعوام من الحرب أكثر من 230 ألف طن من المتفجرات، تضاف إليها كميات أخرى من المتفجرات السائلة المستخدمة في عمليات النسف، والتي تؤدي قوة انفجارها إلى إلحاق أضرار بمبانٍ تقع على مسافات بعيدة. كما يستخدم الجيش الإسرائيلي في عمليات التفجير ما يُعرف بـ"الروبوتات المفخخة"، وهي عربات عسكرية قديمة يتم حشوها بكميات كبيرة من المتفجرات وتفجيرها عن بعد، إضافة إلى "الصناديق المفخخة" التي تُستخدم لاستهداف نطاقات أضيق. وتركز عمليات النسف في أحياء التفاح والشجاعية شرق مدينة غزة، وشرق خان يونس، وشرق المنطقة الوسطى ولا سيما مدينة دير البلح، إضافة إلى مخيم جباليا شمال القطاع، الذي شهد خلال الفترة الأخيرة عمليات تفجير واسعة. وتعيش عشرات آلاف الأسر داخل مبانٍ آيلة للسقوط أو بالقرب منها، في ظل غياب بدائل سكنية، ما يجعل كل عملية نسف تهديداً مباشراً لحياتها. وكان مبنى يسكنه نحو 100 فلسطيني قد انهار قبل قرابة شهر، ما أدى إلى استشهاد 21 شخصاً، في حادثة أعادت تسليط الضوء على خطورة الإقامة داخل المنشآت المتضررة. ويفاقم اقتراب فصل الشتاء وهطول الأمطار خطر انهيار هذه المباني، في ظل خلخلة التربة وتضرر الأساسات نتيجة القصف والاهتزازات المتكررة. ويقول محمد نبيل، الذي يعيش مع زوجته وطفليه داخل غرفة كانت تُستخدم مستودعاً أسفل مبنى سبق أن تعرض للقصف في مخيم النصيرات، إنه يشعر مع كل عملية نسف بأن المبنى سينهار فوقهم. وأضاف لـ"إرم نيوز": "لا أجد مكاناً بديلاً بسعر مناسب بعد أن فقدت مصدر رزقي، ورغم علمي بخطر انهيار المبنى في أي لحظة، إلا أنني لا أملك خياراً آخر". وأشار إلى أن أجزاء من المبنى تسقط أحياناً بالتزامن مع عمليات النسف، إلا أنه لا يزال مضطراً إلى البقاء فيه. أما عائشة مقاط، التي تقيم مع أطفالها الأربعة قرب مبنى آيل للسقوط في مدينة غزة، فتقول إن عمليات النسف تحولت إلى هاجس يومي يهدد حياتهم. وأضافت أن الأرض تهتز تحت خيمتهم مع كل انفجار، فيما يهتز مبنى من 5 طبقات يقع بجوارهم، مشيرة إلى أن أجزاء منه تسقط أحياناً قرب خيام النازحين، وأن الكتل الإسمنتية الثقيلة قد تتسبب بوفاة أي شخص تسقط عليه مباشرة. وفي هذا السياق، حذّر وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة ناجي سرحان من كارثة هندسية وإنسانية وشيكة، مؤكداً أن المباني المتصدعة والآيلة للسقوط باتت تشكل خطراً مباشراً على آلاف السكان. وقال سرحان لـ"إرم نيوز" إن الطواقم الفنية رصدت أكثر من 200 عمارة سكنية شديدة الخطورة وقابلة للانهيار المفاجئ، من أصل أكثر من 2,000 مبنى آيل للسقوط، إلى جانب مئات المباني ذات الخطورة المتوسطة التي تتساقط منها كتل خرسانية وحجارة بشكل يومي. وأوضح أن عمليات القصف والنسف، ولا سيما شرق "الخط الأصفر"، تولّد اهتزازات ارتدادية في التربة تشبه الزلازل، وتؤدي إلى تحريك الكتل والأعمدة الحاملة في المباني المتصدعة، ما يرفع احتمال انهيارها المفاجئ. وأشار إلى أن انهيار إحدى العمارات المأهولة في جباليا جاء نتيجة تفجيرات في منشآت مجاورة، لافتاً إلى أن مياه الأمطار تزيد بدورها من خلخلة الأساسات وانجراف التربة في بعض المناطق. ورغم محاولات تدعيم بعض المباني، أكد سرحان أن الإمكانات المتاحة لا توازي حجم الأزمة، بسبب منع دخول مواد البناء الأساسية مثل الإسمنت والحديد، وعدم توافر الدعامات الهندسية المناسبة، ما يدفع الفرق الميدانية إلى استخدام وسائل بدائية ومؤقتة. وأضاف أن وزارة الأشغال تعاني شللاً لوجستياً شبه كامل بسبب ضعف التمويل والنقص الحاد في المعدات، موضحاً أنه لا يتوافر في قطاع غزة سوى حفارتين أو 3 حفارات تعمل من دون قطع غيار، وهي قدرة محدودة أمام ملايين الأطنان من الركام والأبراج المهدمة التي تغلق عدداً كبيراً من الشوارع. وبين عمليات النسف المتواصلة، والمباني المتصدعة، واقتراب الشتاء، يعيش آلاف الفلسطينيين في غزة أمام خطر مزدوج: البقاء في مساكن قد تنهار في أي لحظة، أو الخروج