هل نقف عند زمن توقيع اتفاق الطائف، عام 1989، أي قبل 37 سنة، فنصير أسرى الماضي، إذ لم يكن الاتفاق الحلّ الأمثل، وإنما وسيلة الخروج من الحرب، بعدما سادت ظروف إقليمية استدعت وقف القتال في لبنان، للتفرغ إلى ملفات إقليمية أكثر أهمية؟ وهل نبادر إلى التغيير من غير اتفاق على التعديلات، فندخل في نفق قد يودي بنا إلى المجهول في ظل خلافات دولية وإقليمية، ليس لبنان في أولوياتها، إلا بقدر ما يمضي في مشروع أميركي كبير يتحكم في العالم، من دون أن يكون قادراً على حسم مسار الحروب والصراعات القائمة؟ سؤالان يراودان الجميع. البعض يتمسك بالاتفاق خوفاً من المجهول، أو بالأحرى خوفاً من الآخر، ومن الديموغرافيا، وسطوة السلاح، وخسارة مكاسب محققة. أما البعض الآخر، فيعتبر أن حجمه العددي لا يتناسب حالياً مع حصته في الدولة وفي القرار. ولن يتنازل عما يعتبره "نقاط قوة" إلا بتكريس واقع جديد يعبّر عن موازين القوى القائم، أو يحلم البعض باستعادة صلاحيات من الماضي. خرج لبنان من الحرب عام 1989 باتفاق رعته دول عدة في طليعتها المملكة العربية السعودية، عرف باسم "اتفاق الطائف"، ثم تكرس تعديلات في الدستور اللبناني. ولا يزال هذا الاتفاق مثار جدل منذ ذلك التاريخ، إذ إن بنودا كثيرة منه لم تطبّق أو طبقت جزئياً وبطريقة مشوّهة، خصوصاً زمن الوصاية السورية على لبنان. ولم تزل محاولات إصلاح تلك الأخطاء قائمة من دون جدوى. قبل أيام، تحدث رئيس الحكومة نواف سلام عن اتفاق الطائف قائلا: "إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف، فعلينا أولاً أن نطبقه بكامل بنوده. ولا يجوز أن نعلن تمسّكنا به فيما نترك جزءاً كبيراً من إصلاحاته معلقاً. ولا يجوز أن يستخدم كل فريق ما يناسبه منه، ثم يتجاهل ما يتوجب عليه من التزامات. وعلينا ثانياً أن نعمل لتصحيح ما تمّ تشويهه من بنود الطائف عند التطبيق، وسدّ الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وأن نطوّر دستورنا، عند الحاجة، وفق قواعده، لا بتجاوزه... فلا يمكن أيّ دولة أن تستمر إذا أصبح التعطيل جزءاً من قواعدها غير المكتوبة. وهنا تكمن أهمية سدّ ثغرات الطائف والاتفاق على تفسير أحكامه، بل ومراجعتها وتطويرها كلّما اقتضت الحاجة. وهنا نعود إلى الفكرة التي بدأت بها. الدستور اللبناني ابنُ تعدّدٍ. وهذا ليس موطنَ ضعف بل يمكن أن يكون مصدر قوته". وشدّد على أن "الدولة هي التي تحمي التعدّد، والإصلاح هو الذي يحمي الطائف من الجمود، وتطوير الدستور هو الذي يحافظ على قدرته على أداء وظيفته. لذلك، فإن أفضل تكريم لمئوية الدستور ليس أن نحتفل بعمره، بل أن نحقق غايته. أن تكون لدينا دولة قوية بالقانون، لا قوية على القانون. دولة تحمي الحرية لأنها سيدة، وتحمي التعدد لأنها عادلة، وتطبّق القانون لأنها تمتلك وحدها السلطة الشرعية. الدولة هي الضمان، والدستور هو عقد هذه الضمان. فأفضل ما نكرّم به الدستور في مئويته، أن نعيد إليه دوره ومعناه". كلام رئيس الحكومة يصوّب النقاش، ويفتح باب التعديل، لكنه أيضاً يكرس جدلاً مستمراً في دعوته إلى تطبيق الاتفاق كاملاً قبل الشروع في كل تغيير. وهذا ما يبدو معقداً بعض الشيء، إذ إن بعض البنود عفا عليها الزمن، ويبدو بعضها غير قابل للتطبيق، وهذا ما يستدعي حواراً وطنياً واسعاً للاتفاق على المستقبل، وبغيره لا يمكن الخروج من الأزمة، بل الاستمرار في المراوحة القاتلة.