في لبنان، نادراً ما يكون انتخاب رئيس للجمهورية بداية مرحلة سياسية جديدة. فعادةً ما يسبقه فراغ طويل، تتخلّله مفاوضات وتسويات بين القوى التي تتنازع السلطة، قبل أن تتوصّل إلى اسم لا يُقلق أيّاً منها بما يكفي لمنع وصوله. وحين يُفتح باب قصر بعبدا أخيراً، يكون الرئيس الجديد قد ورث، إلى جانب صلاحياته الدستورية، شبكة من التفاهمات التي ساهمت في انتخابه، وحدّدت مسبقاً جزءاً من هامش حركته. وهكذا، تتبدّل أسماء الرؤساء، فيما تحتفظ القوى التي تفاوضت على انتخابهم بقدرتها على تحديد ما يستطيع العهد فعله وما لا يستطيع. ففي لبنان، قد يتغيّر رئيس الجمهورية من دون أن تتغيّر الجهة التي تضع حدود رئاسته. لكنّ الظروف التي رافقت انتخاب جوزاف عون لم تكن امتداداً عادياً لهذه المعادلة. فالحرب, وسقوط نظام بشار الأسد، والتحوّلات في موازين القوى الإقليمية، لم تغيّر المشهد السياسي اللبناني دفعة واحدة، لكنها زعزعت كثيراً من الثوابت التي استند إليها طوال سنوات. ولم تختفِ مراكز النفوذ القديمة، لكنها لم تعد جميعها قادرة على فرض شروطها بالثقة نفسها. ولعلّ هذا ما ميّز اللحظة التي وصل فيها جوزاف عون إلى الرئاسة. لم يكن لبنان قد تحرّر من نظامه السياسي القديم، لكنّ قدرة ذلك النظام على حماية نفسه بدت أقلّ مما كانت عليه. وللمرة الأولى منذ زمن، لم يكن تغيير قواعد اللعبة يحتاج بالضرورة إلى هزيمة جميع اللاعبين، بعدما بدأت القواعد التي تحميهم تتصدّع من تلقاء نفسها. كانت تلك فرصة استثنائية، لا لأنّ جوزاف عون صنعها، بل لأنّه وصل في توقيتها. فلم يكن مطلوباً منه أن يغيّر موازين القوى، بقدر ما كان مطلوباً منه أن يعرف كيف يستفيد من موازين قوى تغيّرت بالفعل. انتظر كثير من اللبنانيين، أولهم أنا، رئيساً يعرف ماذا يفعل بهذه اللحظة. لم ينتظروا معجزة اقتصادية، ولا استعادة أموالهم بين ليلة وضحاها، ولا إصلاح دولة أنهكتها عقود من الفساد خلال أشهر. انتظروا رؤية وطنية شاملة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وفريقاً يمتلك من الكفاءة والفطنة ما يكفي لتحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ. لكن بعد نحو سنة وتسعة أشهر من انتخاب عون، يبدو أنّ السؤال انتقل من موعد تنفيذ هذه الرؤية إلى السؤال عمّا إذا كانت موجودة أصلاً. ففي الاقتصاد، ما زال اللبنانيون ينتظرون تصوراً واضحاً لمستقبل القطاع المصرفي، وتوزيع الخسائر، والنموذج الاقتصادي الذي سيحلّ مكان النموذج المنهار. واجتماعياً، لا تظهر بعد ملامح مشروع متكامل يعيد بناء الخدمات العامة والحماية الاجتماعية. أما سياسياً، فيصعب العثور على قطيعة فعلية مع آليات الحكم التي اعتاد اللبنانيون دفع أثمانها. صحيح أنّ إدارة هذه الملفات تقع دستورياً على عاتق الحكومة، لا رئيس الجمهورية وحده. لكنّ رئيساً انتُخب في لحظة تأسيسية، وقدّم خطاب قسم حافلاً بالوعود، لا يستطيع الاكتفاء بمراقبة وزرائه وهم يحاولون العثور على الطريق. فالرؤية ليست أن تعرف ما الذي يحتاج إليه لبنان، بل أن تعرف كيف ستصل إليه، ومن سيمنعك، وماذا ستفعل عندما يحاول منعك. وما يثير القلق أكثر من بطء الإنجاز هو الانطباع المتزايد بأنّ التباطؤ بات خياراً سياسياً، وأنّ السلطة تفضّل تجنّب المواجهة مع مراكز النفوذ على تحقيق اختراق حقيقي في الملفات العالقة. لكنّ ما يثير القلق أكثر من بطء الإنجاز هو احتمال أن تكون المحافظة على التوازنات القديمة قد أصبحت أولوية تتقدّم على تغييرها. فبدلاً من أن تفرض التحوّلات التي شهدها لبنان قواعد جديدة للحكم، يبدو أنّ قواعد الحكم القديمة لا تزال تفرض شروطها على العهد الجديد. ويكفي النظر إلى العلاقة مع الرئيس نبيه بري، أحد أبرز وجوه المنظومة السياسية ومراكز نفوذها المتغلغل داخل مؤسسات الدولة منذ عقود. فبري ليس مجرّد رئيس مجلس نواب يتطلّب موقعه تعاوناً دستورياً مع رئيس الجمهورية، بل يمثّل أحد أبرز أركان ما يُعرف بالدولة العميقة اللبنانية، حيث تتشابك السلطة السياسية مع شبكات النفوذ والمصالح، وتبقى قواعد اللعبة ثابتة مهما تبدّلت أسماء اللاعبين. والمفارقة أنّ جوزاف عون الذي وصل في لحظة اهتزّت فيها موازين القوى، يبدو، حتى اللحظة، حريصاً على طمأنة أبرز المستفيدين من الموازين القديمة. فإذا كان لا بدّ من استرضاء أركان المنظومة القديمة في كلّ خطوة نحو التغيير، فقد ينتهي العهد إلى تجديد شرعيتها بدل تغيير قواعدها.فالتغيير الذي يحتاج إلى موافقة المستفيدين من غيابه قد لا يصل أبداً. وهنا تبرز مشكلة أعمق تتجاوز شخص الرئيس الحالي. فمنذ فؤاد شهاب، مرّ على رئاسة الجمهورية خمسة رؤساء سبق أن قادوا الجيش اللبناني. ومع كل تجربة، يعود الرهان على العسكري باعتباره أكثر قدرة على إعادة الانضباط إلى المؤسسات. لكنّ الدولة ليست ثكنة، والمواطنون ليسوا جنوداً، والبلاد لا تُدار بالأوامر و وهم الانضباط وحدهما.