تتزايد المخاوف في الأسواق المالية العالمية من الكلفة الباهظة لسباق الذكاء الاصطناعي، بعدما تعرّضت أسهم شركة "ميتا"، المالكة لـ"فيسبوك" و"إنستغرام"، لموجة بيع حادة أدّت إلى تراجعها بأكثر من 7%، وسط قلق المستثمرين من الارتفاع المتواصل في الإنفاق على هذه التكنولوجيا، وخطط الشركة لإصدار أسهم جديدة لتمويل استثماراتها الضخمة. وبحسب تقرير أعدّه الصحافيان براتيك جايابراكاش وأديتيا سوني لوكالة "رويترز"، فإن موجة التراجع قد تؤدي إلى محو نحو 114 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة إذا استمرت الخسائر المسجّلة، في وقت بلغت فيه كلفة التأمين على ديون "ميتا" ضد التعثّر مستوى قياسياً غير مسبوق. واللافت أن هذا التراجع جاء رغم إعلان الشركة نتائج مالية فاقت توقعات المحللين وتقديمها توقعات قوية لأعمالها، ما يعكس تحوّلاً في مزاج المستثمرين الذين باتوا أكثر قلقاً من حجم الأموال التي تضخّها شركات التكنولوجيا الكبرى في مشاريع الذكاء الاصطناعي. فالشركات التي اعتادت امتلاك سيولة مالية ضخمة بدأت تتجه بصورة متزايدة نحو الاقتراض لتمويل توسعها، فيما أدّى الإنفاق المتصاعد إلى تسجيل "ميتا" تدفقات نقدية حرة سلبية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وكانت الأسواق قد أظهرت خلال الشهر الجاري علامات قلق متزايدة من تراكم الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ تخلّص المستثمرون من أسهم شركات متخصصة في البنية التحتية السحابية، من بينها "كور ويف" (CoreWeave) و"نيبيوس" (Nebius)، بعدما أنفقت هذه الشركات مبالغ تفوق إيراداتها بعدة أضعاف على إنشاء مراكز بيانات لتلبية الطلب المتزايد. ويحذّر خبراء من أن الاعتماد المكثف على الاقتراض يجعل شركات الذكاء الاصطناعي عرضة لمخاطر كبيرة في حال حدوث انخفاض مفاجئ في الطلب، خصوصاً أن الرقائق الإلكترونية المستخدمة في مراكز البيانات تفقد قيمتها الاقتصادية والتكنولوجية خلال فترة تتراوح بين 5 و6 سنوات، ما يفرض على الشركات الدخول في دورات جديدة من الإنفاق للحفاظ على قدرتها التنافسية. وفي أحدث مؤشر إلى حجم الرهانات المالية، رفعت "ميتا" الحد الأدنى لتوقعاتها الخاصة بالإنفاق الرأسمالي السنوي بمقدار 5 مليارات دولار، ليصبح إجمالي الإنفاق المتوقع بين 135 و145 مليار دولار. وتهدف هذه الاستثمارات إلى تنفيذ خطة واسعة تضع وكيل الذكاء الاصطناعي "ميوز" (Muse) في قلب استراتيجية الشركة، في محاولة لتحويل تكنولوجيا حققت انتشاراً كبيراً لدى المؤسسات، ولا سيما في أتمتة البرمجة، إلى مصدر إيرادات من المستخدمين الأفراد. ولتمويل هذا التوسع، أعلنت "ميتا" عزمها إنشاء فئة جديدة من الأسهم تحمل اسم "الفئة C"، وهي أسهم لا تمنح أصحابها حقوق تصويت. وبموجب الخطة، تستطيع الشركة جمع مئات مليارات الدولارات على مدى عدة سنوات لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي وعمليات الاستحواذ وتعويضات الموظفين، على أن تبدأ عمليات إصدار الأسهم اعتباراً من خريف 2026. وأوضحت الشركة في إفصاحها أن إصدار هذه الأسهم يتيح لها تجنّب اللجوء إلى تمويل إضافي عبر الديون، وهو خيار قد يؤثر سلباً على تصنيفاتها الائتمانية. لكن القلق لم يقتصر على سوق الأسهم، إذ ارتفعت عقود مبادلة مخاطر الائتمان الخاصة بديون "ميتا" لأجل 5 سنوات إلى مستوى قياسي بلغ 114.79 نقطة أساس. وتُستخدم هذه العقود للتأمين ضد احتمالات التعثّر في سداد الديون، ويعكس ارتفاع تكلفتها زيادة الطلب على الحماية من المخاطر الائتمانية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن الشركة تواجه خطراً وشيكاً بالإفلاس. وفي هذا السياق، اعتبر شاي بولور، كبير استراتيجيي الأسواق في "فيوتوروم إكويتيز"، أن الارتفاع الحاد في كلفة التأمين على الديون لا يشير بالضرورة إلى تدهور الأسس المالية للشركة. وأوضح أن اتساع هوامش عقود التأمين "قد يكون مرتبطاً بدرجة أكبر بتحوّط المصارف من انكشافها على التمويل الضخم لديون الذكاء الاصطناعي لدى ميتا، وليس بمخاطر التعثّر الفعلية". وكان سهم "ميتا" قد حقق ارتفاعاً تجاوز 5% منذ بداية العام حتى إغلاق الأربعاء، قبل أن تعصف به موجة البيع الأخيرة. وتكشف هذه التطورات عن مفارقة متنامية في قطاع التكنولوجيا، حيث لم تعد النتائج المالية القوية كافية لطمأنة المستثمرين، بعدما أصبحت الكلفة المستقبلية للذكاء الاصطناعي وحجم الديون اللازمة لتمويله عاملين أساسيين في تحديد اتجاه الأسواق، وسط مخاوف من أن يتحوّل السباق التكنولوجي الأكثر سخونة إلى عبء مالي ثقيل على الشركات التي تقوده.