عندما أقر اتفاق الطائف أواخر عام 1989، أطلق حينها "حزب الله" وعدد من الأحزاب والقوى والمكونات السياسية موقفا مبدئيا منه، جنحوا فيه نحو الاعتراض عليه من منطلقات عدة في مقدمها أنه أعاد صوغ النظام الطائفي بعد إضافة مساحيق تجميلية عليه، إضافة إلى ملاحظات أخرى كانت عميقة. لكنّ أحدا لم يعر اهتماما كبيرا لهذا الموقف الاعتراضي في وقته، بناء على اعتبارات عدة أبرزها: - أن الاتفاق وضع أصلا لينفذ، وليس للتوقف عن تنفيذه. فهو أتى فيما كانت القوى المتصارعة متهالكة وخائرة القوى جراء صراعات وجولات اقتتال استمرت نحو 15 عاما، فضلا عن أنه نتاج إرادة إقليمية - دولية كاسحة اتخذت قرارا بوضع حد للاقتتال في لبنان أو لإنهاء حروب الآخرين على أرض لبنان وبأدوات لبنانية. - أن "حزب الله" كان في حينه قوة "هامشية" اختارت أن تنأى بنفسها عن صراعات الداخل وتنصرف إلى المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن ذلك مهمتها الأساسية ورافعتها المحورية، لذا كان اعتراضه بلا صدى ولا دوي. - ثمة من يضيف إلى ذلك أن الحزب كان ضمنا راضيا عن الاتفاق الذي اعترف له بـ"حق مقاومة الاحتلال"، لذا سحب السلاح حينها من كل القوى المتحاربة لكونه سلاح ميليشيات، ما عدا سلاح الحزب بوصفه سلاح "مقاومة الاحتلال". ما حصل لاحقا أن الحزب تماهى مع الاتفاق وقرر السير بركب النظام السياسي الذي بني علي أساسه، بدليل أنه سارع إلى اتخاذ قرار المشاركة في الانتخابات النيابية الأولى التي أجريت بناء على قوانين سنّت على أساس الاتفاق وروحيته. وفي صيف 1992رفع الحزب حرم التعامل مع النظام السياسي اللبناني المعدل و"فلسف" عملية دخول البرلمان، لكنه استنكف عن المطالبة بالمشاركة في الحكومات بناء على رؤية سياسية -فقهية رجع فيها إلى مرجعيات دينية شيعية وتجارب لجماعات إسلامية. وطوال الفترة التي انقضت على الطائف (أكثر من نحو ربع قرن) كان الحزب يشارك من بعيد في ورش النقاش التي كانت تقام حول مسائل تتصل بهذا الاتفاق المرجعي، إن لجهة الدعوة إلى تطبيقه بحذافيره ومندرجاته كافة، أو لجهة الدعوة إلى إدخال تعديلات عليه تأخذ في الاعتبار حجم الطائفة الشيعية ووزنها. وكانت أصوات شيعية قريبة من الحزب تتولى، في كل مرة كان يحاصَر بشبهات التفرد بقرار الحرب والسلم، الرد على المطالبين بنزع سلاحه عبر القول إن الكثير من حقوق الطائفة الشيعية أهدرها الطائف، في مقابل الإقرار بحق المقاومة، وإن الإصرار على الدعوة إلى نزع سلاح الحزب يتعين أن يقترن بالمطالبة بإدخال تعديلات أساسية على الاتفاق. واللافت في هذا الإطار أن الحزب كان يتجنب التركيز على هذا الأمر لأنه لا يريد أن يخيف المجموعات الأخرى ويسمح لها بالقول إنه يستقوي بسلاحه لكي يمارس ضغوطا ويفرض ما يريد تحقيقه من مكاسب داخلية. السؤال اليوم: هل ما زال الحزب على موقفه المبدئي المعروف من الاتفاق بعد كل هذه التطورات والتحولات الدراماتيكية؟ يجيب مصدر مأذون له من الحزب بالآتي: "كنا وما زلنا من الداعين إلى تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده ومندرجاته، انطلاقا من رؤيتنا القائمة على أساس أنه ما زال تنفيذه قاصرا ومجتزأ باعتراف الجميع". ويضيف: "إذا كان لدى اللبنانيين رغبة في تطوير هذا الاتفاق بناء على توافق وطني، فنحن بالتأكيد منفتحون ومستعدون، وهذا ما أعلناه سابقا ونكرره الآن". ويخلص المصدر إلى أن "المطلوب من السلطة وكل القوى التي نصبت نفسها حامية لهذا الاتفاق وحارسة له، أن تلتزمه وتعمل على تنفيذه وترجمته عمليا وفق التفسير العلمي والدستوري وليس وفق تفسيرات البعض".