قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تكشف استطلاعات الرأي عن مفارقة سياسية لافتة. يتراجع حزب "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو، بينما يوسع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دائرة مؤيديه، خصوصاً بين الشباب. وتطرح هذه المفارقة سؤالاً عن أثر الخطاب الشعبوي الذي تبنته ثلاثية نتنياهو وبن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش في توجهات الناخبين، بعدما انتقل من المهرجانات الانتخابية إلى مؤسسات الحكم. منذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين في 29 كانون الأول/ديسمبر 2022، منح نتنياهو حليفيه، بن غفير وسموتريتش، نفوذاً واسعاً. وبرز تأثيرهما في إدارة الشرطة والسجون، وتوجيه الأموال العامة، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. وفي موازاة ذلك، شهدت إسرائيل مواجهة حول خطة الحكومة لتغيير النظام القضائي، وسط تحذيرات معارضيها من إضعاف استقلال المؤسسات. وأضفت الحرب في غزة بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ثقلاً للخطاب الأمني، لكنها أثارت أيضاً خلافات بشأن مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات وكلفة العمليات العسكرية ومستقبل الحكم. وهكذا وجد الناخب نفسه أمام خطاب يَعِد بالقوة، وأسئلة متزايدة عن أداء من يرفعون شعاراتها. نتنياهو... اليمين يحتكر تمثيل الدولة يرتكز خطاب نتنياهو على تقديمه نفسه حامياً للشعب اليهودي في مواجهة تهديدات وجودية. ومن خلال ربط أمن البلاد بهويتها الدينية والتاريخية، يسعى إلى وضع خياراته السياسية في موقع التعبير عن المصلحة الوطنية، وتصوير خصومه على أنهم يعوقون هذه المهمة. في مقابلة مع صحيفة "غلوبس" في 25 تموز/يوليو 2017، انتقد الباحث المتخصص في الشعبوية كاس مودّه تصوير نتنياهو اليمين الإسرائيلي بوصفه الصوت الوحيد للدولة، بحيث يبدو انتقاده معاداةً لإسرائيل. ووصف هذا الأسلوب بالانتهازي والمناهض لليبرالية. وعندما سُئل عن تحذير نتنياهو من تدفق الناخبين العرب إلى صناديق الاقتراع بالحافلات، اعتبر العبارة تعبيراً عن الإسلاموفوبيا، وليس نموذجاً للشعبوية وحدها. وقد تجسّد الصدام حول القضاء في احتجاجات واسعة، إذ رأى معارضو التعديلات أنها تمنح الائتلاف قدرة أكبر على التأثير في الرقابة على قراراته. أما مؤيدوها فقدموا المشروع باعتباره إعادة توازن بين السلطات المنتخبة والقضاة. وتوضح الباحثة في القانون الدستوري غيلا شتوپلر، في أعمالها عن الشعبوية اليمينية، خطورة تقسيم المجتمع بين "الشعب الحقيقي" وخصومه المفترضين. فحين يُقدَّم القضاء والإعلام وجماعات حقوق الإنسان باعتبارها عوائق أمام إرادة الأكثرية، يصبح المساس باستقلالها جزءاً من مشروع سياسي يجد تبريره في ادعاء التحدث باسم الشعب. بن غفير... خطاب التصعيد يجذب الشباب اختار بن غفير أسلوباً أكثر مباشرة واستفزازاً. فهو يستخدم الكاميرات ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما "تيك توك"، لترويج مواقف أمنية شديدة اللهجة وتحويل المواجهات إلى مادة انتخابية. وقد نشر تسجيلات من داخل السجون، بينها مواجهته الأسير مروان البرغوثي في آب/أغسطس 2025، وحسن سلامة في أيلول/سبتمبر 2026، مهدداً الأخير بالإعدام. وفي الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أمر رئيس لجنة الانتخابات المركزية بإزالة تسجيل مواجهة سلامة، معتبراً أن الوزير استغل وصوله إلى مرافق الدولة لإنتاج دعاية انتخابية، وفُرضت غرامتان على بن غفير وحزبه. ومن مقترحاته أيضاً إحاطة منشآت احتجاز الفلسطينيين بتماسيح، وهي أفكار يراها منتقدوه بحثاً عن الإثارة، فيما يعتبرها مؤيدوه دليلاً على الحزم الأمني. وأثار أداء الشرطة خلافاً داخل الحكومة نفسها. ففي تموز/يوليو 2024، طالب وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت بالتحقيق في احتمال تدخل بن غفير لمنع أو تأخير استجابة الشرطة لاقتحام محتجين يمينيين قاعدتي سدي تيمان وبيت ليد، التابعتين لـالجيش الإسرائيلي. وتبرز نتيجة هذا الخطاب في تقرير نشرته "رويترز" في 20 تشرين الأول/أكتوبر، استناداً إلى استطلاع لمؤسسة "أغام لابس" في الجامعة العبرية في القدس. فقد أظهر أن مؤيدي حزب "القوة اليهودية" أصغر سناً من متوسط الناخبين، وأن نحو ثلثهم يشاركون في التصويت للمرة الأولى. وتشير استطلاعات إلى إمكانية حصول الحزب على ثمانية مقاعد أو أكثر، بعدما كان يعتمد سابقاً على التحالفات لتجاوز العتبة الانتخابية. رجل يهودي متشدد بجانب حافلة تحمل ملصقاً انتخابياً لإيتمار بن غفير في القدس، في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) سموتريتش... أيديولوجيا في الموازنة يرتبط خطاب سموتريتش بمشروع قومي ديني يتجلى في دعم المستوطنات وتحديد أولويات الإنفاق. ويتهمه منتقدوه بتوجيه الموارد العامة نحو جماعات قريبة من الائتلاف، على حساب احتياجات اقتصادية واجتماعية أوسع. وفي تموز/يوليو 2026، أعلنت الحكومة تخصيص 434 مليون دولار لإقامة 34 مستوطنة