إيران أمام مفارقة أمنية: ثمة فرق شاسع بين ما تجيده، وما تخفق فيه. في حربي 2025 و2026، نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في مفاجأة طهران. اندلعت الحربان وسط مفاوضات لم تخلُ من احتمالات الانفراج. بعد تجربتيها السابقتين، ستكون طهران أكثر تحصّناً أمام المفاجآت؛ أو هكذا يُفترض. نرجس باجوغلي وولي نصر من جامعة جونز هوبكينز كتبا في حزيران/يونيو الماضي أنه وخلال الأشهر الثمانية التي أعقبت حرب 2025 "طرأت تغييرات مؤسسية أكثر من التغييرات التي طرأت خلال الأعوام العشرة السابقة مجتمعة". بصرف النظر عن كيفية قياس الكاتبين لهذه الأرقام، لا شك في أن صمود النظام أشّر إلى تغييرات واستعدادات ناجحة للحرب التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. بالمثل، لا جدال أيضاً في أن النظام استغل فترات الاستراحة المتقطعة مع أميركا منذ نيسان/أبريل الماضي استعداداً للجولة الجديدة. لا يلغي ذلك مفارقة كبرى. عناصر من الحرس الثوري. يمسك الحرس بالكثير من مفاصل الحياة السياسية والأمنية في البلاد. (أ ب) كل الاستعدادات التي حدثت بعد حرب 2025 لم تَحُل دون اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه عدد كبير جداً من المسؤولين قد يتخطى الأربعين. الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من الحربين هو أن إيران تعرف كيف تصمد، لكنها لا تعرف كيف تحمي قادتها. الإشكالية في هذه الخلاصة كبيرة لأنها تناقض الحسّ البديهيّ: يصعب تأمين مقومات صمود السلطة من دون تأمين مقومات حماية قادتها. تدبّرت إيران الأمر. لكن استنساخ هذا النجاح مع كل تجربة صعب وقد يعتمد بشكل كبير على الصدف. والدليل علامة الاستفهام الأخرى: مكان ووضع المرشد الحالي مجتبى خامنئي. نجا مجتبى من الاستهداف الذي طال والده، لكنه خسر زوجته وعدداً آخر من أقاربه. لو لم ينجُ مجتبى لكان وضع النظام أكثر تعقيداً. إلى الآن، ليس الكل متأكداً مما إذا نجا فعلاً. غير أن قدرة "الأقل حظوة" في النظام الجديد، كالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، على لقاء خامنئي، ترفع من احتمالات صحة أنباء نجاة المرشد. لكن إيران قد تكون أمام مفاجأة أخرى يمكن أن تكون الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية قد رصدت مكان خامنئي الابن، وما منعها من استهدافه هو ترك مجال للمفاوضات كي تأخذ مداها، والانتخابات كي تأخذ مجراها. تُدخل الحكومة الإيرانية تغييرات سريعة في طريقة الحكم، لكنها تسابق الزمن مع قدرة واشنطن وتل أبيب على تتبع الشخصيات البارزة في هذه الحكومة (بشقيها السياسي والأمني). يكفي تذكر أن اغتيال أمين عام مجلس الأمن القومي السابق علي لاريجاني تم وسط الحرب، أي أن الجواسيس ظلوا يتحركون على الأرض، حتى تحت القنابل. بالتالي، ستكون بداية الحرب المقبلة، إذا اندلعت، محطّ اهتمام مباشر. هل ستتسبب الطلقة الافتتاحية المقبلة بمقتل عدد من القادة البارزين في إيران؟ صورتان متجانبتان للمرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران. (أ ف ب) في حال حصل ذلك، ستتلقى مرونة المؤسسات الإيرانية ضربة أخرى. لن يسقط النظام على الأغلب، لكنّه سيفقد، للمرة الثالثة على التوالي، مستوى إضافياً من عوازل الصدمات. بالنسبة إلى حكم يستعد لجولات من الحرب، لن يكون نجاح طلقة افتتاحية كهذه، مجدداً، مدعاة للتفاؤل.