في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1989، بدا اتفاق الطائف لكثير من اللبنانيين كأنه بوابة الخروج من القاع، وفرصة لفتح فصل جديد بعد سنوات أنهكت فيها الحرب الأهلية اللبنانيين. كذلك شكّل المحطة الأبرز في مسار تعديل الدستور اللبناني، وأرسى صيغة سياسية جديدة كان يُفترض أن تمهّد لمرحلة من الاستقرار وإعادة بناء الدولة. ولكن بعد 37 عاماً، لا تزال أزمات لبنان تتوالى، من الانهيار الاقتصادي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، فيما يبقى الفساد والعجز عن تنفيذ الإصلاحات من أبرز التحديات التي تواجه البلاد، ويستمرّ القلق من انفجار اجتماعي في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة. وفيما تتكرر الدعوات إلى الشباب، وشعارات "أنتم الأمل والمستقبل"، يبرز سؤال أساسي: كيف يرى هذا الجيل الجديد سبيلاً للخروج من الأزمة اللبنانية؟ يرى هادي غانم، الذي تخرّج هذا الصيف في الجامعة الإسلامية (IUL) ونال شهادة الماجستير في القانون الخاص، أن الحلّ يبدأ من الإصلاح القانوني والتشريعي، وتطبيق القوانين بما يضمن استقلالية القضاء وفاعلية الرقابة والمحاسبة. ويقول لـ"النهار" إن مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه في الدستور، يشكّل ركيزة أساسية لمعالجة جزء كبير من الأزمة، إلى جانب استكمال التشريعات المتعلقة باستقلالية القضاء ومكافحة الفساد والحق في الوصول إلى المعلومات، وتفعيل القوانين التي لم تدخل حيّز التنفيذ بصورة مكتملة. وحتى على الصعيد المالي والاقتصادي، يعتبر غانم أن غياب التشريعات الحاسمة أسهم في استمرار النزاع حول هذه القضية. ولا يقتصر الإصلاح بالنسبة إليه على التشريع، بل يشمل أيضاً تعزيز الرقابة على المؤسسات العامة، إذ إن غياب الرقابة الفعّالة يحدّ من القدرة على المحاسبة. لذلك، يجب وضع الأطر اللازمة لمراقبة عمل المؤسسات ومساءلة المسؤولين عنها. من جهتها، ترى تيما حمدان، طالبة الصحافة في الجامعة الأنطونية (UA)، أن الخروج من الأزمة يبدأ بالتطبيق الجدي لاتفاق الطائف، من خلال وضع خطة واضحة لتنفيذ بنوده ضمن جدول زمني محدّد. وتشدد على ضرورة بناء دولة تكون فيها المواطنة والكفاية أساساً للعمل العام، بدلاً من استمرار تحكّم المصالح الحزبية والطائفية في القرارات. وتوضح أن المطلوب ليس إلغاء التنوع الذي يميّز لبنان، بل تحويله إلى مصدر غنى بدل أن يكون سبباً للانقسام، مع إعطاء الأولوية لمصلحة البلاد على حساب المصالح الأخرى. وتؤكد أهمية إعطاء الشباب دوراً أكبر في الحياة السياسية وفي عملية صنع القرار. أما ليتيسيا خويري، طالبة الترجمة في جامعة الروح القدس – الكسليك (USEK)، فتؤمن بأن لبنان قادر على تجاوز أزمته من خلال مكافحة الفساد، تنفيذ الإصلاحات السياسية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والحكومة. وترى أن تحقيق ذلك يتطلب وصول قادة يتحلّون بالمسؤولية ويضعون مصالح البلاد في المقام الأول، إلى جانب توفير المزيد من فرص العمل وضمان المساواة في الحقوق بين المواطنين. وتلفت خويري إلى أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على الجانب السياسي، بل يجب أن ينعكس أيضاً على الحياة اليومية للبنانيين، من خلال تحسين الخدمات العامة وضمان الحقوق الأساسية، من توفير الكهرباء بصورة موثوق بها إلى المياه النظيفة، فضلاً عن تطوير وسائل النقل. استعادة السيادة واستقلالية القرار وترى جوي سماحة، طالبة العلاقات الدولية في الجامعة اليسوعية (USJ)، أن السبيل للخروج من الأزمة يتطلب استعادة سيادة الدولة واستقلالية قرارها قبل كل شيء، ليكون لبنان قادراً على الدفاع عن مصالحه الخاصة، من دون أن يُجرّ إلى صراعات إقليمية أو يخضع لتأثيرات خارجية. وتشدد سماحة على ضرورة احترام جميع الأحزاب السياسية قوانين البلاد ومؤسساتها، وأن تكون القرارات العسكرية من اختصاص الدولة حصراً. وتدعو إلى السعي للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يضمن احترام سيادة كل طرف وحدوده، من دون أن يستلزم ذلك تطبيع العلاقات. وبالتوازي مع استعادة السيادة، ترى أن إعادة بناء الاقتصاد اللبناني تتطلب تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والإنتاج الوطني، مؤكدة أن البلاد تمتلك موارد وكفايات ينبغي الاستفادة منها بصورة أكبر، بهدف الحد من الاعتماد على الخارج وخلق فرص عمل للبنانيين. في مقاربة تضع مسؤولية التغيير على عاتق الدولة والمجتمع، ترى ريان أغجايان الطالبة في المعهد العالي للأعمال (ESA)، أن الحلّ لا يمكن أن يقتصر على تغيير بعض الأشخاص أو انتظار تحسّن الأوضاع من تلقائها. بالإضافة إلى كل ما ذكره الطلاب، لا تعفي أغجايان الشباب من المسؤولية، مشددة على أن دورهم لا ينبغي أن يُؤجَّل إلى المستقبل، بل يجب أن يبدأ في الحاضر، من خلال الانخراط في الحياة العامة والمشاركة فيها، واتخاذ خيارات تستند إلى الكفاية والمسؤولية، ورفض التعامل مع الفساد بوصفه أمراً طبيعياً. وتقرّ بأن لا حل سحريا أو فوريا للأزمة، لكنها تؤمن بأن التغي