مَن أباح للمخابرات التركية والسورية خطف الأفراد من لبنان واقتيادهم خارج حدوده؟ اقتياد كيالي من المنصورية إلى السفارة السورية ثم إلى سوريا دون علم بيروت... والخارجية مطالبة باستدعاء السفيرين ما معنى أن يخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليهنئ جهازي الاستخبارات التركي والسوري على اعتقال معراج أورال، المعروف بعلي كيالي، فيما تنقل وكالة «فرانس برس» عن مصدر أمني لبناني أن الرجل اختُطف من المنصورية، من دون علم السلطات اللبنانية، ثم اقتيد إلى السفارة السورية ومنها إلى سوريا؟ ومن أعطى أجهزة استخبارات أجنبية الحق في أن تدخل الأراضي اللبنانية، وتعتقل من تريد، وتنقله إلى خارج الحدود؟ أردوغان هنّأ الجهازين على العملية في كلمته أمام الكتلة النيابية لحزب «العدالة والتنمية»، الأربعاء 21 تشرين الأول. وهذه التهنئة تؤكد المشاركة التركية والسورية، وإن كانت لا تحسم وحدها مكان الاعتقال. أما الرواية التي نقلتها «فرانس برس» فتضع الدولة اللبنانية أمام قضية لا يجوز السكوت عنها: عملية لأجهزة أجنبية على أرض لبنان، خارج علم سلطاته، وبمعزل عن قضائه وأجهزته الأمنية. وإذا صحت هذه الوقائع، فنحن أمام اعتداء صارخ على السيادة اللبنانية، مهما كانت هوية المستهدف والاتهامات الموجهة إليه. أين الدولة؟ أين السيادة اللبنانية؟ أين الندية التي يُفترض أن تقوم عليها العلاقة مع سوريا؟ وأين احترام الدولة التركية لاستقلال لبنان وحرمة أراضيه؟ ثم أين وزارة الخارجية اللبنانية ووزيرها يوسف رجي؟ المطلوب استدعاء السفير التركي وطلب توضيح رسمي بشأن دور استخبارات بلاده، واستدعاء السفير السوري ومواجهته بالروايات المنشورة عن العملية. هذه قضية تستوجب جواباً من الدولتين إلى الدولة اللبنانية. لا يكفي أن تتبادل المصادر الروايات، فيما يبقى اللبنانيون آخر من يعلم بما يجري على أرضهم. أما الحديث عن نقل كيالي إلى السفارة السورية في اليرزة، فخطير إلى حد لا يسمح بتركه بين اتهام ونفي. السفارة نفت علاقتها بالعملية، فيما نُقلت معلومات عن مصدر قضائي تفيد بأن الخاطفين سلكوا الطريق الساحلي وصولاً إلى معبر العبودية، وأن مراجعة الكاميرات لم تثبت إدخاله إلى السفارة. هذا التضارب يوجب إعلان نتيجة التحقيق بوضوح: هل دخل كيالي السفارة أم لم يدخل؟ ومن نقله؟ وكيف خرج من لبنان؟ ومن أمّن مرور خاطفيه؟ إذا ثبت استخدام السفارة في احتجاز الرجل أو نقله، فهل أصبحت البعثة الدبلوماسية منصة لاعتقال أشخاص وتسليمهم إلى خارج لبنان؟ وإذا ثبت أنه نُقل مباشرة عبر الحدود، فهل يصبح الاعتداء أقل خطورة؟ في الحالتين، يبقى السؤال نفسه: من يملك القرار على الأراضي اللبنانية؟ أين القانون؟ أين الدستور؟ أين الأجهزة الأمنية؟ وأين القضاء الذي يجب أن تكون له الكلمة في توقيف أي شخص وتسليمه؟ كيف يُقتاد رجل من منزله في المتن إلى خارج البلاد، ثم نسمع الاحتفال بالعملية من عاصمة أخرى؟ ولا يحاولنّ أحد تحويل النقاش إلى دفاع عن علي كيالي. لا حصانة لمتهم بارتكاب مجازر، ولا تبرير لأي جريمة بحق المدنيين. إذا ارتكب جرائم، فليُحاسب، ولتُقدَّم الأدلة بحقه، ولتُتَّبع الإجراءات القانونية لتوقيفه ومحاكمته أو طلب تسليمه. لكن الاتهامات، مهما بلغت خطورتها، لا تعطي أجهزة أجنبية تفويضاً بالخطف من لبنان. حقوق الضحايا لا تبرر إسقاط سيادة دولة أخرى. ما الذي يمنع، إذا مرّت هذه السابقة من دون رد حاسم، أن يُعتقل مواطن لبناني ويُقتاد إلى دمشق أو إلى وجهة أخرى، بذريعة ملف أمني أو اتهام سياسي؟ ومن يضمن ألا تتحول معارضة سلطة أجنبية إلى سبب كافٍ لاختفاء شخص من منزله أو من الشارع؟ لبنان عرف هذا الماضي السيئ، ودفع أثمانه. عرف اقتياد لبنانيين إلى سوريا، والاعتقال والتعذيب، والغياب الذي طال سنوات، والعائلات التي بقيت تبحث عن أبنائها. ولا يجوز أن ننتظر تكرار المأساة حتى نتذكر أن حماية الناس على الأراضي اللبنانية مسؤولية الدولة اللبنانية أولاً. الدولة مطالبة بتحقيق يحدد المسؤوليات والأسماء ومسار العملية، وبإعلان نتائجه للرأي العام، وبملاحقة كل من يثبت تورطه أو تسهيله. ومطالبة أيضاً بموقف دبلوماسي واضح يرفض أي عملية أجنبية تُنفَّذ خارج الأصول القانونية، ويبلغ أنقرة ودمشق أن التعاون الأمني له أبوابه الرسمية، وأن الأراضي اللبنانية ليست ساحة مباحة. فإذا كانت الدولة لا تعلم، فعليها أن تكشف كيف جرى تجاوزها. وإذا كان أحد داخلها يعلم، فعليها أن تقول من هو، وبأي صلاحية تصرف. أما أن تبقى الحقيقة موزعة بين مصادر مجهلة وبيانات نفي وتهاني استخباراتية، فهذا أمر لا يُقبل. وتتجاوز خطورة القضية مصير كيالي إلى مستقبل العلاقة اللبنانية ـ السورية، وعلاقة البلدين بالجوار. فالسلطات السورية أعلنت توقيفه في 15 تشرين الأول، وقدمت رواية مفادها أن جهاز المخابرات العامة قبض عليه أثناء محاولته الف