طالب "حزب الله" في إطار الحوار الجاري معه في الكواليس، بتراجع الحكومة اللبنانية عن قرار تصنيف نشاطاته العسكرية والأمنية خارجة عن القانون. وطُرحت مخارج لذلك بما أن الحكومة لا تستطيع في الواقع العودة عن قرارها، تفاديا لإعطاء هذا الحق للحزب وحده، فيما هو في الواقع يوفر غطاء له لإبقاء سلاحه. وهو أمر، من حيث المقاربة التقنية المرتبطة بمواصلة لبنان المشاركة في المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية من أجل ضمان إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، يعدّ بالغ الصعوبة ويمسّ بصدقية الدولة، ومن حيث المقاربة السياسية يضرب الدولة والعهد ويرجح أن يكون سببا لإشكالية داخلية وخارجية كبيرة. بعد خمس جولات مباشرة من الحوار بين رئيس الجمهورية والحزب قبل توقيع اتفاق الإطار الذي اتخذ منه الحزب ذريعة لقطيعة مع العهد، لم يقفل الأخير أبواب الحوار، ويقول زوار رئيس الجمهورية إن قصر بعبدا مفتوح للحوار مع الجميع، على أن يكون هؤلاء أصحاب أجندة لبنانية لا خارجية لأيّ محور كان، رغم الحملات المقذعة التي يشنها الحزب أو بعض مسؤوليه على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ويرتبط ذلك بأن الدولة يقع عليها حكما استيعاب الآخرين أو محاولة ذلك، وعدم ترك الأمور تتفاعل سلبا، من دون التنازل عن المبادئ التي تسعى إلى تثبيتها في إطار عودتها كدولة. وتكمن الإشكالية في أن الحزب ليس قادرا بعد على القبول بالاستنتاجات التي يخلص إليها البعض أو ينقلها إليه الخارج، على قاعدة أن التعاون في شأن سلاحه وتسليمه إلى الدولة في هذا التوقيت أو أيّ توقيت قريب قد تنطبق عليه قاعدة "يا خبر اليوم بفلوس بكرا ببلاش"، بمعنى أن لسلاحه اليوم قيمة، يمكن التعاون مع الدولة أن يقوي موقعها التفاوضي وأوراقها في مواجهة إسرائيل، فيما انتظاره اتفاقا أميركيا - إيرانيا قد لا يكون في مصلحته تبعا لواقع أن بند شمول اتفاق إسلام آباد جبهات أخرى في المنطقة غير الجبهة الإيرانية - الأميركية فقد الكثير من جوهره حين خرج لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ووقّع اتفاق الإطار، مما جعله يخرج عملانيا من المعادلة، وكذلك الأمر حين خرج العراق إلى التزامات لنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران قبل انتهاء الحرب، فيما لا تبقى مشتعلة فعلا سوى جبهة الحوثيين. هذا الواقع لن يضمن أن تأتي إيران بمكاسب لمصلحة الحزب في لبنان، أو أنه لن يكون ثمنا لتفاهمات تسعى فيها إلى المحافظة على أبرز أوراقها وأكثرها إلحاحا بالنسبة إليها. ويخشى مطلعون أن يبقى الشق المرتبط بـ"الحرس الثوري" مباشرة داخل "حزب الله" أسير رفض المبادرات التي تطرح على الحزب، في ظل معلومات عن شق أكثر مرونة، ولا سيما مع التمايز المهم الذي بات يظهره رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الحزب على مستويات عدة، من دون أن يعني ذلك انفصالهما أو شق الثنائي الشيعي، لحرصه الكلي على بقائهما معا. ومنذ الرفض الذي قابل به الحزب المبادرة التي قدمتها المخابرات المصرية له على قاعدة التمييز بين أسلحته الهجومية وسلاحه الدفاعي وما إذا كان يحتاج إلى الأولى بعد اليوم، واستحالة استخدامها ضد إسرائيل وضرورة إيجاد مخرج بتسليمها على مراحل إلى الدولة اللبنانية في مقابل إبقاء سلاحه الدفاعي إذا كان يخشى على نفسه، لأشهر معدودة، فإن الحزب ينزلق إلى فقدان أوراقه وتأخير تعافي الدولة اللبنانية وبيئته في شكل خاص، بالإضافة إلى إتاحة استدامة الاحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب اللبناني. ومنذ 2006 حين خسر الحزب النقاط الـ13 على الخط الأزرق، وصولا إلى 2023 حين تسبب بخسارة خمس نقاط إضافية في جنوب لبنان، ثم إلى حرب إسناد إيران التي أدت إلى خسارة قرى جنوب الليطاني وتدميره وتهديد إسرائيل قرى شمال الليطاني، مني الحزب بخسارة جسيمة لم تكن يوما بالوضوح التي باتت عليه راهنا. لكن هذا لا يلغي أن الواقع الراهن لا يزال يدور في فلك مقفل، في ظل انتظار الحزب القرار الإيراني وعدم القبول بخسارة طهران ورقته في لبنان، فيما يرفع سقفه في مقابل السقف الذي ترفعه الدولة اللبنانية إزاءه، لا سيما بعد كشف شاحنة المتفجرات، إلى درجة إبلاغه مسؤولين أمنيين بأن المزيد من حشره قد يدفعه إلى عمل ما لوّح به مسؤولون أكثر من مرة في الآونة الأخيرة.