تعكس التوترات الأمنية والاجتماعية التي تحصل بين العرب والكرد في محافظة الحسكة حالة عدم رضا من الطرفين. العرب غير قادرين على فهم ما يحصل في عملية دمج قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، حيث يتم تعيين قادة من قسد ومن الإدارة الذاتية في مناصب عسكرية وأمنية وإدارية حساسة والإبقاء على معظم موظفي الإدارة الذاتية في وظائفهم وقبول شهاداتها الإعدادية والثانوية والجامعية، وذلك انطلاقاً من تصورهم أن السلطة انتصرت على قسد عسكرياً ما يفرض إبعادها عن المشهد والاعتماد على عرب المحافظة في إدارتها بوضعهم في المواقع القيادية والإدارية. في حين يرى الكرد أن الدمج الحاصل لا يعبر عن تطلعات الكرد القومية، من وجهة نظر الكرد عامة، والدمج والمناصب العليا والتوظيف لم يشمل إلا التابعين لقسد والإدارة الذاتية، وفق وجهة نظر المجلس الوطني الكردي، وتجاهل رد المظالم وإعادة الأراضي التي انتنزعت من الكرد في مشروع الحزام العربي، وفق رأي أصحاب تلك الأراضي، وذلك انطلاقاً من عدة اعتبارات أولها أن المنطقة أرض كردية وأن الكرد أغلبية فيها وأنهم دافعوا عنها ومنعوا داعش من السيطرة عليها، ما يستدعي تعديل اتفاق الدمج بما يحقق هذه التطلعات والمطالب. واقع الحال أن الاحتكاكات التي حصلت بين العرب والكرد في الشارع ليست بعيدة عن السلطة وقسد، ذلك أن الطرفين لا يشعران بالرضا عن اتفاق الدمج ويستثمر كلٌّ منهما عدم رضا حاضنته بطريقته الخاصة لدفع عملية الدمج نحو أهداف لم يتضمنها اتفاق الدمج والضغط على الطرف الآخر بتحريك قوى محلية في المحافظة لإرباك عملية الدمج وخلق حالة عدم استقرار تهدد السلم الأهلي من أجل دفع الطرف الآخر للقبول بترتيبات في ملفات محددة خارج بنود الاتفاق. فتحركات الشبيبة الثورية ليست بعيدة عن توجيهات قادة في "قسد" والتظاهرات العربية ليست وليد تحرك شعبي عفوي، إنها جزء من تكتيكات السلطة. فالسلطة تريد من عملية الدمج إرضاء قيادة قسد بالمشاركة في إدارة محافظة الحسكة من خلال احتلال مواقع عسكرية وأمنية وإدارية في هيكل السلطة المركزية واحتواء الحالة الكردية من خلال بعض الحقوق المدنية مثل تجنيس من هم بلا جنسية وتسجيل مكتومي القيد والسماح بتدريس اللغة الكردية في المدارس في المدن والبلدات والقرى ذات الغالبية الكردية باعتبارها حقوقهم ضمن الدولة السورية. في حين ترى قيادة قسد أن اتفاق الدمج ليس المآل الأخير، بل هو مقدمة على طريق مشاركة فعلية في إدارة الدولة وتكريس حقوق الكرد القومية في الدستور السوري الجديد. لم يأت اتفاق الدمج الموقع بين الطرفين يوم 2026/1/29 تعبيراً عن توازن القوى بينهما بعد هزيمة قسد في المواجهات العسكرية في حلب والجزيرة السورية، بل أتى تنفيذاً لرؤية أميركية قائمة على حل وسط، تسوية لا غالب ولا مغلوب، تسيطر فيها السلطة على الأرض، تحقيقاً لوحدة الأرض السورية، وتدير فيها "قسد" محافظة الحسكة، حيث الكثافة الكردية، تجسيداً للحقوق السياسية الكردية، إدارة من الباطن، رؤية تنهي الصراع، لأنه لا يمكن أن يذهب الطرفان إلى صراع صفري، منتصر ومهزوم؛ فالصراع الصفري يعني حرب وجود تبعاتها قتل على الهوية وتهجير ودمار للمنطقة وسكانها. وهذا أربك العرب والكرد في المحافظة وأشعرهم بالغبن والمرارة ودفعهم إلى التعبير عن عدم الرضا والتحرك لتغيير النتيجة، ما سمح للسلطة وقيادة قسد باستغلال عدم الرضا بتصعيد الموقف للتأثير على الطرف الآخر وفرض تنازلات عليه. سلوك فيه الكثير من سوء التقدير لأن انفلات الموقف وسيادة الاحتقان والتوتر يمكن أن يقودا إلى انفجار الموقف بين العرب والكرد والذهاب إلى حرب أهلية. واجب السلطة وقسد مصارحة أبناء المحافظة من العرب والكرد حول طبيعة اتفاق الدمج ومداه والعمل على امتصاص عدم الرضا باعتماد سياسة قائمة على المساواة في الحقوق والواجبات بين سكان المحافظة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب مع وضع خطط لإصلاح وتطوير البنى التحتية ورفع كفاءة المؤسسات الخدمية والإدارية وخطط تنمية متوازنة توفر فرص عمل وحياة كريمة بحيث يشعر المواطنون إنهم جزء من العملية السياسية والاقتصادية والخدمية. وهذا إن حصل سيكون رسالة إيجابية لبقية المواطنين السوريين خاصة في الساحل والسويداء.