كشفت الجولة العسكرية الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي عُقدت على مدى يومين في تامبا بولاية فلوريدا، عمق الهوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني، وأظهرت عقم الرهان على مفاوضات مع عدو يواصل اعتداءاته ويوسّع احتلاله، ساعياً إلى انتزاع مزيد من التنازلات اللبنانية، فيما بدا الدور الأميركي أقرب إلى ممارسة الضغوط على لبنان منه إلى رعاية مفاوضات متوازنة. لم تُبدِ إسرائيل أي استعداد لتقديم خطوات إيجابية، ولا سيما قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، وسط مؤشرات إلى احتمال تصعيد ميداني في المرحلة المقبلة. وبدلاً من إبداء المرونة حيال المطالب اللبنانية، حاولت حكومة الاحتلال استثمار المفاوضات لتكريس صورة لبنان الذي يفاوض تحت ضغط الحديد والنار، بما يتيح لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تسويق ما يعتبره إنجازات أمام الناخبين. وعكست مجريات الجولة تجاهلاً إسرائيلياً للمطالب اللبنانية المتعلقة بالانسحاب من الأراضي المحتلة، ووقف الاعتداءات، وتشكيل لجنة تحقيق دولية. في المقابل، سعت إسرائيل إلى دفع الوفد اللبناني نحو مسارين، الأول تكثيف الضغوط لنزع سلاح حزب الله، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة داخلية، والثاني تشكيل لجان عسكرية مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي للتنسيق والتعاون، بما يكرّس واقع الاحتلال ويحوّل التنسيق إلى أداة لخدمة الأهداف الإسرائيلية، بما في ذلك دفع الجيش إلى تأمين المناطق المحتلة ومواجهة هجمات المقاومة. رفض الوفد اللبناني اقتراح تشكيل اللجان العسكرية المشتركة، في مقابل رفض الوفد الإسرائيلي المطالب اللبنانية، لتنتهي الجولة من دون أي تقدم، وسط غياب أرضية مشتركة وتناقض واضح بين المطالب الإسرائيلية والحقوق التي يتمسك بها لبنان. وتكمن الخطورة الأكبر في المعلومات المتداولة عن إبلاغ مسؤولين أميركيين الجانب اللبناني رفض واشنطن تمديد مهمة قوات اليونيفيل أو تشكيل قوة دولية بديلة، مشيرين إلى أنه مع نهاية العام الحالي لن يبقى في الجنوب سوى الجيشين الإسرائيلي واللبناني، مع التشديد على ضرورة إقامة آلية للتعاون والتنسيق بينهما. ويدحض هذا الطرح كل الشعارات الأميركية حول التمسك بسيادة لبنان وسلامة أراضيه ومساعدة السلطة السياسية على بسط سلطتها ودعم المؤسسة العسكرية. واللافت أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية تضاعفت على الجيش اللبناني بعد رفض المطلب الإسرائيلي، وصولاً إلى التشكيك بقدراته وانتقاد السلطة اللبنانية واتهامها بعدم الجدية في تنفيذ اتفاق الإطار. والمفارقة في هذا الإطار أن واشنطن تطالب لبنان بتنفيذ التزاماته، فيما تتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة ولا تمارس الضغط اللازم لتنفيذ المطالب اللبنانية، وكأن الاتفاق مطلوب من طرف واحد فقط. تكشف هذه المعطيات عن مسار أميركي إسرائيلي يدفع لبنان نحو تطبيع عسكري وسياسي تدريجي تحت عنوان: “ترتيبات ما بعد اليونيفيل”. وهذا ما يضع أهلية الولايات المتحدة كوسيط موضع تساؤل، بعدما بدت أقرب إلى تبنّي المطالب الإسرائيلية والتعامل مع لبنان بوصفه طرفاً مهزوماً، لا دولة تفاوض دفاعاً عن سيادتها وحقوقها. انتهت جولة تامبا من دون تحقيق أي تقدم، فيما بقي احتمال التصعيد الإسرائيلي قائماً قبيل الانتخابات أو بعدها، سواء فاز نتنياهو أم خسر، في حال رأى أن التطورات الميدانية تخدم حساباته، علما ان المشكلة لا تكمن في تعثّر المفاوضات فحسب، بل في محاولة تحويلها إلى وسيلة لفرض وقائع جديدة وانتزاع تنازلات لا تستطيع إسرائيل تحقيقها بالقوة وحدها. وبينما تراهن واشنطن على إخضاع بيروت بالضغط السياسي وبالتهديدات الاسرائيلية، يبقى السؤال: هل تُستخدم المفاوضات للوصول إلى تسوية تحفظ حقوق لبنان وسيادته، أم لتوفير غطاء سياسي لاستكمال الاحتلال وتنفيذ الشروط الصهيونية؟.