اتسعت أدوات الصراع في الحروب لتشمل التجسّس، والهجمات السيبرانية، والتضليل، والتخريب، واستهداف البنية التحتية، والاستعانة بجماعات ووسطاء غير حكوميين؛ فلم تعد الحروب الحديثة تخاض على الجبهات التقليدية وحدها. وبين الحرب والسلام ظهرت مساحة رمادية تتحرك فيها الدول والجهات الفاعلة من دون إعلان مواجهة مفتوحة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى إنهاك الخصم وإرباكه واستنزافه. الحرب الهجينة تقوم أساساً على دمج الأدوات العسكرية وغير العسكرية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. وقد تكون الضربة عسكرية، أو إلكترونية، أو اقتصادية، أو معلوماتية، وقد تنفذ بشكل مباشر أو عبر وكلاء، بحيث يصعب أحياناً تحديد المسؤولية أو تقدير نقطة الانتقال من التنافس إلى العدوان. وتكتسب المنطقة الرمادية أهمية متزايدة لأنها تسمح بتنفيذ عمليات محدودة ومتدرجة، لا تحدث بالضرورة أضراراً فورية واسعة، لكنها تختبر قدرة الخصم على الرد، وتستهدف مؤسساته وثقة مواطنيه. وهذا ما يفسّر القلق الأوروبي المتزايد من التخريب والهجمات الإلكترونية والتوغلات الجوية، باعتبارها مكونات لحملات أوسع تهدف إلى زعزعة الاستقرار. ولم يعد التجسّس مجرد وسيلة لجمع المعلومات السرّية، بل أصبح جزءاً من إدارة الصراع. فالتجسّس البشري لا يزال مهماً، لكن الفضاء السيبراني أضاف إمكانيات هائلة لجمع البيانات والوصول عن بُعد، مع توفير هامش أكبر للإنكار. وأصبحت المعلومات الاستخبارية المرتبطة بالطاقة والاتصالات والنقل والصناعة والدفاع وسلاسل الإمداد ذات قيمة استراتيجية متزايدة. أما الجماعات المسلحة والوكلاء، فقد تحولوا إلى أدوات مؤثرة في الحروب الهجينة؛ فبعضهم يستطيع تنفيذ عمليات عنيفة أو تخريبية بصورة تمنح الجهات الراعية مساحة للمناورة والإنكار، بينما تستفيد جماعات أخرى من هشاشة الدول وضعف مؤسساتها لتوسيع نفوذها. وهنا يتداخل الأمن مع الجريمة المنظمة والتطرف والتنافس الجيوسياسي. وفي موازاة ذلك، أصبحت الحرب السيبرانية والمعلوماتية سلاحاً قائماً بذاته. استهداف البنى التحتية الحيوية، واختراق الشبكات، وتسريب المعلومات، وتعطيل الاتصالات، فضلاً عن حملات التضليل والتلاعب بالرأي العام، كلها أدوات يمكن استخدامها لإضعاف المجتمعات من الداخل. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تتضاعف قدرة الفاعلين على إنتاج المحتوى المضلل وتحليل البيانات واستهداف الجمهور بصورة أكثر دقة. وتكشف نماذج أوكرانيا وأوروبا والشرق الأوسط أن الصراع الحديث يتجه نحو حروب مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية مع التكنولوجيا والاستخبارات والوكلاء والتأثير المعلوماتي. ولم تعد الجيوش وحدها هي الهدف؛ فالمطارات والطاقة والاتصالات وسلاسل الإمداد والمؤسسات العامة والمجتمعات باتت جميعها جزءاً من ساحة المواجهة. المشكلة أن الدول لا تستطيع مواجهة هذا النوع من الحروب بالوسائل العسكرية التقليدية وحدها. المطلوب هو بناء قدرة متكاملة على حماية البنية التحتية، وتعزيز الأمن السيبراني، ومكافحة التجسّس، ورفع الوعي المجتمعي، وتحصين المؤسسات، وتحسين القدرة على كشف حملات التضليل. الحرب المقبلة قد لا تبدأ بصاروخ بل بحملة تضليل، أو عملية تخريب تبدو في ظاهرها حادثاً عابراً. * باحث في الأمن الدولي والإرهاب - المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية