للسلاح في سرديته المتداولة في المجال اللبناني، دلالة سياسية لجهة أنه قادر على فرض معادلات أو تغيير موازين قوى. وله أيضاً دلالة اجتماعية لجهة أنه مصدر أمان وحصانة ماديين للمنتمين إليه والمعتقدين به. هو أيضاً يحمل وظيفة سيكلوجية تتجاوز حقيقته الخارجية، ليصبح جزءاً مكوناً لبنية الفرد النفسية الباحثة عن الأمان. فلا يعود السلاح مجرّد أداة للقتال، بل يصبح، بشكل تدريجي، حاوية إسقاط باطني لمشاعر العجز والتهديد والخوف والرغبة في السيطرة على الآخر وإخضاع. أي ينتقل السلاح من مهمة بناء واقع خارجي، إلى وظيفة تشكيل بنية الفرد النفسية في إدراكه لذاته وفهمه لمجريات العالم. حين يعيش الفرد في محيط أسند إلى السلاح وظيفة القوة والحماية من جهة، ومعنى الهوية والإنتماء والقيمة الأخلاقية السامية من جهة أخرى، فإن الفرد يكون عاجزاً عن تصوّر نفسه محروماً منه أو أن يستمر في وجوده من دونه. لكون هذا الحرمان مصدر خطر على هويته النفسية واختلالاً لتوازنه النفسي، تجعله يرى في غياب هذا السلاح أو الدعوة إلى انتزاعه تهديداً لقيمته الإنسانية ومعنى وجوده. نشير هنا إلى وجود علاقة تأثير متبادل بين تفاعلات الخارج وداخل الفرد السيكولوجي، تجعل الفرد في وضعية تكيف مستمر مع بيئته، وفي حال تعديل مستمر لبناءه السيكولوجي التي تستجيب للمتغيرات التي تحصل من حوله. هو تعديل يُمكِّن الفرد من التعامل مع الواقع المتغير بفاعلية، ويؤهله فهم وتفسير هذا الواقع على أرضية البنية الإدراكية التي يعدلها باستمرار. فمثلما أن الواقع المحيط ينتج تكويناً سيكولوجياً ذا بنية إدراكية خاصة للتماهي مع هذا الواقع، فإن الواقع أيضاً يتخد دلالة وحقيقة معينين تبعاً لهذا التكوين السيكولوجي. وهو ما يخلق وحدة معينة لا بالمعنى المادي وإنما بالمعنى التواصلي والتفاعلي بين خارج متحرك وتكوين سيكولوجي مرن قادر باستمرار على التواصل مع الواقع الخارجي والتموضع داخله وفهمه. في محيط يبدو مشبعاً، إن صح التعبير، بالسلاح، يحصل تماه سيكولوجي مع سردية السلاح التي تعممها القوة الحاملة له بإيجاد معادلة توازي بين ضرورة الأمان وحتمية السلاح، ويأتي الباطن السيكولوجي إلى استدخال هذه المعادلة لتصبح جزءاً من هويته. وعلى هذا النحو، لا يبقى السلاح مجرّد ردة فعل تتحرك بفعل تهديد خارجي، وإنما يصبح شرطاً نفسياً رئيسياً للشعور بالأمان. وفي هذا السياق، يحصل قلباً او إنقلاباً في مسألة الحاجة نفسها. فبعد أن كان السلاح حاجة نتيجة لوجود الخوف، أصبح الخوف النفسي حاجة لاستمرار السلاح. في هذه الحال، لا تعد وظيفة السلاح متمثلة في تلبية الحاجة إلى الأمان الخارجي، بل في الحفاظ على الحاجة النفسية عبر البقاء على موضوعها، أي السلاح. أي يتحول بقاء السلاح إلى حاجة سيكولوجية مع قطع النظر عن استيفاء السلاح لوظيفته الخارجية وأهليته وكفائته في توفير شروط الأمان الواقعية. بالتالي يصير بقاء السلاح استجابة لبناء نفسي متصلب يعاني من حالة إنفصام عن الواقع، وليس استجالة لضروروات الواقع الفعلي. يحصل هذا حين يتم إستدخال الفرد للسلاح لغرض الحفاظ على المعنى والقيمة اللذان منحا له. فيبدأ العقل بصوغ التبريرات والتفسيرات بهدف استمرارية السردية وتعزيز تماسكها حتى لو لم يكن هنالك واقع فعلي يسندها. في هذا السياق، يتجلى ما يمكن تسميته بالإيحاء الذاتي الإيديولوجي كلما تبدت معطيات خارجية مناقضة للإعتقاد الراسخ حول حقيقة السلاح، حيث يتم توليد مسوغات وتفسيرات لهذا السلاح لا تستمد مع معطيات الواقع وإنما من مصدر غيبي أو مثالي يهبه الشرعية ويسقط عليه الضرورة والحاجة. وحين تتوالى الأحداث التي تفضح، إن صح التعبير، عجز السلاح عن الحماية والانتصار والأمان، تتعرض سرديته لانتكاسة بنيوية، تولد أزمة يمكن وصفها بالوجودية. حيث يتولد صراع بين الخارج الذي تظهر تحولاته عدم جدوى السلاح من جهة ، وبين التكوين النفسي الذي استدخل السلاح مصدراً للأمان من جهة ثانية. ومع ازياد الهوة بين ما يمارسه الخارج من ضغوط وما تمارسه إوالات الدفاع النفسية من مقاومة ورفض لإملاءات الخارج، يجد الفرد نفسه مرغماً على الرجوع إلى بنيته الداخلية لتحصينها، إما بإعادة النطر بقناعته أو بالدفاع عنها. بيد أن إعادة النظر ومراجعة المعتقد الراسخ بقيمة وحقيقة السلاح ليس بالأمر الهيّن، ويتحول إلى أمر شبه مستحيل يعد إسباغ دلالة وجودية وهوياتية على السلاح، بحيث يصبح التخلي عن السلاح تخلٍّ عن الذات وخيانة لها. وفي هذه الحال، يتبدى الإنكار الذي لا يعد مجرد رفضٍ للواقع، وإنما أولوية دفاع عن جهاز نفسي مهدّد بالسقوط. ليصبح الدفاع المستميت عن القيمة المطلقة والسامية للسلاح انتصاراً إلهياً رغم انتكاسته الخارجية، ولا ينتقص انهيار القدرة على الحماية من قدسية السلاح وقيمته السامية. بالتالي تتمكن سردية السلاح من أن تحافظ على نفسها حتى