منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتبدّل كلّ شيء تقريباً حول نبيه بري، باستثناء نبيه بري نفسه. يتغيّر الرؤساء والحلفاء، تنهار الحكومات، تتبدّل موازين القوى، وتنتقل البلاد من أزمة إلى أخرى، فيما يحتفظ رئيس مجلس النواب بموقعه ونفوذه وقدرته على التأقلم مع كلّ مرحلة جديدة. وإذا كان ثمة إنجاز سياسي يصعب إنكاره للرجل، فهو أنّه أتقن فنّ النجاة من نتائج السياسات التي كان شريكاً في صناعتها. ولهذا، عندما يتحدّث بري عن تبدّل علاقته بحزب الله، لا بدّ من التمييز بين رجل يعيد النظر في قناعاته، وآخر يعيد حساباته بعدما تغيّرت الظروف. فالأول قد يكون في طريقه إلى موقف جديد، أمّا الثاني، فقد يكون ببساطة يبحث عن أفضل طريقة للاحتفاظ بموقعه القديم. في حديثه إلى إذاعة "صوت كل لبنان"، أشار بري إلى أنّ علاقته بحزب الله كانت أقرب في أيام حسن نصرالله، مشدّداً على عدم وجود أخ أكبر وأخ أصغر. وأعلن دعمه للجيش اللبناني، معتبراً أنّه "خط أحمر". تصريحات لم تتضمّن إعلاناً عن إنهاء التحالف، ولا مراجعة لموقفه من سلاح الحزب، لكنّها كانت كافية لإثارة النقاش حول احتمال ابتعاده عن حليفه التاريخي. وفي أوساط من بيئة حزب الله، بدأت تظهر قراءات تتّهم بري بالتمهيد للتخلّي عن الحزب في مرحلة شديدة الحساسية، وتتحدّث عن «تكويعة» سياسية محتملة. وفي المقابل، راحت قراءات أخرى تبحث في تصريحاته عن إشارات إلى تحوّل قد يضعه أقرب إلى مؤسسات الدولة. وهكذا، وجد نبيه بري نفسه بين جمهور يخشى أن يتخلّى عن حزب الله، وآخر يأمل أن يتخلّى عن حزب الله، فيما لم يتخلَّ الرجل، حتى الآن، عن أيّ شيء. ولعلّ المشكلة تبدأ من هنا تحديداً. فبري ليس سياسياً ناشئاً يمكن التعامل مع كلّ تصريح يصدر عنه باعتباره مؤشراً إلى اكتشاف جديد. هو رئيس مجلس النواب منذ عام 1992، وأحد أبرز أركان السلطة اللبنانية، وشريك أساسي في المعادلة السياسية التي أتاحت لحزب الله الجمع بين امتلاك قوة عسكرية مستقلة والمشاركة في مؤسسات الدولة. لم يكن بري مجرّد حليف للحزب في الانتخابات أو شريك في توزيع المقاعد والمناصب. لقد شكّل، طوال سنوات، جزءاً من الغطاء السياسي الذي ساعد على استمرار هذه المعادلة. وفي المقابل، وفّر التحالف مع حزب الله لحركة أمل وزعيمها ثقلاً سياسياً يصعب تجاهل دوره في حماية نفوذهما داخل النظام. كانت العلاقة مفيدة للطرفين، وهذا ما يجعل الحديث عن احتمال تبدّلها جديراً بالاهتمام. لكنّ انتهاء المنفعة، إن حصل، لا يعني بالضرورة نشوء قناعة وطنية جديدة. فالسياسي الذي استفاد من التحالف طوال سنوات لا يصبح معارضاً لنتائجه لمجرّد أنّ كلفته ارتفعت. ولا يمكن اختصار مسؤولية بري عن مرحلة كاملة بمجرد الإشارة إلى أنّ علاقته بقيادة الحزب الحالية ليست بحرارة علاقته بقيادته السابقة. فليس من المنطقي أن يُمنح نبيه بري شهادة حسن سلوك سياسي لأنّه بدأ يشعر بالبرد في علاقة أمضى عقوداً يتدفّأ بنارها. بل إنّ الحديث عن ابتعاد بري يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل المشكلة عنده في استمرار السلاح خارج الدولة، أم في أنّ هذا السلاح لم يعد يضمن لحلفائه المكاسب نفسها التي كان يضمنها سابقاً؟ لا يمكن الجزم بنيّاته، لكنّ تجربته السياسية لا تمنح أسباباً كثيرة لتبنّي التفسير الأكثر تفاؤلاً. فالرجل الذي نجح في البقاء على رأس السلطة التشريعية وسط كلّ التحوّلات اللبنانية، لم يُظهر حتى الآن استعداداً واضحاً لتحويل تمايزه الكلامي عن حزب الله إلى مواجهة سياسية مع استمرار سلاحه خارج سلطة الدولة. أمّا حديثه عن الجيش اللبناني، فيستحقّ التوقّف عنده لسبب مختلف. فرئيس مجلس النواب أعلن أنّ الجيش "خط أحمر"، وأنّه يقف إلى جانبه. وهو موقف يفترض أن يكون بديهياً لأيّ مسؤول يتولّى منصباً دستورياً، لا أن يتحوّل إلى خبر استثنائي يحتاج إلى تفكيك سياسي. لكنّ السؤال ليس ما إذا كان بري يحبّ الجيش، ولا كم مرّة يستطيع إعلان دعمه له. السؤال عمّا إذا كان مستعداً لدعم الجيش عندما تتعارض ممارسة صلاحياته مع مصالح حزب الله، وعندما يصبح احتكار الدولة للسلاح قراراً مطلوباً تنفيذه، لا شعاراً يمكن ترداده من دون تبعات. فالمشكلة لم تكن يوماً في قلّة الذين يقفون مع الجيش، بل في كثرة الذين يقفون معه شرط ألّا يقف في طريق حلفائهم. أما بالعودة لبعض الأوساط المحسوبة على حزب الله، فقد أثارت تصريحات بري انزعاجاً وصل إلى حدّ الحديث عن تخلّيه عن حليفه، وعن "تكويعة" سياسية قد تكون في طور التحضير. والمفارقة أنّ الحزب الذي اعتاد مطالبة اللبنانيين بتفهّم خياراته مهما بلغت كلفتها، يجد بعض جمهوره صعوبة في تقبّل احتمال أن تكون لحليفه خيارات مختلفة. لكنّ الاتهامات الموجّهة إلى بري تفترض أنّه كان في يوم من الأيام مستعدّاً لتقديم مصلحة حزب الله على مصلحته الخاصة. فالتحالف بين الطرفين لم يقم على المحبّة وحدها، ولا