اتفاق القاهرة: هل كان شرًّا لا بدّ منه؟ في 2 تشرين الثاني 1969 وقع في القاهرة اتفاق ما بين الدولة اللبنانية ممثلة بقائد الجيش العماد إميل البستاني ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة برئيس الهيئة الننفيذية فيها ياسر عرفات لتنظيم العمل الفلسطيني المسلّح في لبنان. 57 سنة وما زال الانقسام في البلد حول هذا الاتفاق، فما قصته وماذا جرى يومها؟ بعد حرب 1967 أخذ الوجود الفلسطيني المدني والعسكري يتفاقم في لبنان، ومذ ذاك دخل العامل الإسرائيلي في قلب المعادلة اللبنانية: الفدائيون الفلسطينيون يهاجمون أرضهم المغتصبة منطلقين من قواعد عسكرية أقاموها في جنوب لبنان، فترد اسرائيل باعتداءات تطال البلدات والأحياء السكنية في الجنوب عوض استهداف المواقع الفلسطينية، في تكتيك لإرغام الأهالي على التذمر لتعرض بيوتهم وممتلكاتهم للخراب، وحملهم على التخلي عن دعم المقاومين الفلسطينيين. ومن المعروف أنه عندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 تم الاتفاق بين الأنظمة العربية على أن لا تقام قواعد عسكرية فلسطينية في لبنان، وأن الفلسطينيين المقيمين فيه، إذا ما التحقوا بجيش التحرير الفلسطيني لن يسمح لهم بالعودة إلى لبنان، وأجمعت الدول العربية على إقرار هذه السياسة انطلاقًا من أن في لبنان وضعًا داخليًا سياسيًا حساسًا لا يسمح له بتحمل قيام عمليات عسكرية انطلاقًا من أراضيه، ولكن لم تلتزم منظمة التحرير الفلسطينية يومًا بهذا الاتفاق. ارتفع مستوى الهجمات الفلسطينية وعددها باطراد، ولم تعد تكتفي بتسلل خاطف وزرع عبوات صغيرة على طريقة عصابات وشلل متفرقة وأحيانًا غير منسقة، واقتربت أكثر فأكثر من الاحتراف تنظيمًا وتدريبًا وامتلاك أسلحة مختلفة ومنها لا علاقة له بحرب العصابات والكمائن. أولى بشائر القوة الفلسطينية في لبنان ظهرت في نيسان 1968، عندما تحولت جنازة لبناني يدعى خليل الجمل كان يقاتل مع المنظمات الفسطينية في الأردن إلى عرض ضخم للقوة ومظهر دعم للعمل الفدائي، وشارك في جنازته رئيس الحكومة عبد الله اليافي، وفي محاولة منه لتخفيف الاحتقان شارك رئيس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل في الجنازة، وطُلب من البلدات المسيحية خاصة الكحالة استقبال النعش في إشارة دعم للعمل الفلسطيني. صيف 1968 أخذ عدد الفلسطينيين المتسللين من سوريا الى منطقة العرقوب الجنوبية يتزايد، ووقعت صدامات بين الفلسطينيين المتسللين ودوريات الجيش اللبناني والدرك. أهم المواجهات وقعت في 29 تشرين الأول 1968 في قرية حلتا في العرقوب كانت حصيلتها مقتل فدائي فلسطيني وإصابة اثنين آخرين بجروح أحدهما سوري الجنسية، وفي اليوم التالي شنت أسرائيل أول عملية عسكرية داخل الأراضي اللبنانية استهدفت معسكرًا لمنظمة فتح. بعد هذا الاصطدام والغارة عقد اجتماع ضم عن الجانب اللبناني قائد الجيش العماد إميل البستاني ورئيس الأركان العميد يوسف شميط ورئيس الشعبة الثانية المقدم غابي لحود، فيما مثل الجانب الفلسطيني عدد من مندوبي المنظمات الفلسطينية. الجانب الفلسطيني قال إن المقاتلين قدموا من سوريا وكانوا ينوون مهاجمة أهداف داخل إسرائيل، ولا بدّ من مرورهم عبر الأراضي اللبنانية. أجاب قائد الجيش بأن لبنان لن يسمح بتسلل كهذا، ثم شرح موقف لبنان من هذا النوع من النشاط العسكري، وشدد على أن لبنان وقّع اتفاق الهدنة مع إسرائيل في العام 1949 وهو لا يزال ساري المفعول، ولبنان لا يستطيع انتهاك هذا الاتفاق، ومن ثم العمليات العسكرية بين البلاد العربية وإسرائيل تشكل جزءًا من الاستراتيجية العسكرية في ظل القيادة العربية المشتركة، ولبنان لا يمكنه أن يسمح بأي توتر على الحدود مع إسرائيل من دون التنسيق مع تلك القيادة، وشدد على أن كل هجوم يشنه الفدائيون من الأراضي اللبنانية يؤدي إلى أن تنتقم اسرائيل بغارات على المدنيين اللبنانيين. خرج المجتمعون بوعد فلسطيني بدراسة وقف عمليات التسلل من لبنان، وتم اطلاع رئيس الجمهورية شارل حلو ورئيس الحكومة عبد الله اليافي على المداولات والنتيجة التي خلص إليها الاجتماع. تصعيد العمليات الحربية في الجنوب اللبناني، أدى للمرّة الأولى في تاريح لبنان إلى أول موجة هروب ونزوح لسكان القرى الحدودية باتجاه بيروت، وبدأ ما يعرف بحزام البؤس الذي يلف العاصمة بيروت. في مقابل ما كان يحدث في الجنوب، كانت شوارع بيروت تغلي، ففي أواخر تشرين الثاني انطلقت تظاهرة طالبية احتجاجًا "على رفض السلطات الأردنية تجاوزات الفصائل الفلسطينية على أرضها"، وعندما حاول بعض المتظاهرين الدخول إلى أحياء بيروت الشرقية، وقيامهم بأعمال شغب تصدى لهم شباب المنطقة وأرجعوهم إلى الشوارع التي انطلقوا منها بعد أن اسقطوا منهم عدة جرحى. في اليوم التالي، تجمع بعض الطلاب أمام مبنى الأونيسكو المقر الموقت لمجلس النواب الذي كان يجري ترميم مبناه في ساحة النجمة، وأنزلوا العلم ا