لم يقل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، في إطلالته في برنامج "صار الوقت" على شاشة MTV، كل شيء، لكنّه قال الكثير. الحدث لم يكن جلسة مجلس الوزراء، بل إطلالة الحكيم العارف بخبايا وخفايا الكتل النيابية الممثّلة في الحكومة والمُبعدة قسرًا، فانتظره الجميع، بمن فيهم الخصوم والأعداء. وأخّر العميل إبراهيم الأمين إقفال "ممسحة" الأخبار حتى يشفي غليل الفريق الإيرانيّ بكمّ من الشتائم والأكاذيب. وكعادته، جعجع سبّاق في قراءة الأحداث، رصين رغم الصخب المحيط بثقل مواقفه، عميق حيث يفهمه المطّلعون ويستسخفه السطحيون. لاذع حيث يجب، ديبلوماسي حين يريد، ومدافع عن قناعاته إلى أبعد الحدود. تجنّب جعجع إطلاق النار مباشرة على رئيسَي الجمهورية والحكومة، لكنّه أصابهما بأكثر من رصاصة، وأطلق ما يشبه الإنذار الأخير، واضعًا الكرة في ملعبهما قبل فوات الأوان. وإذ قال جعجع إن جهازًا أمنيًا لا يزال يرسل تقريره الأمني إلى "حزب الله"، فهو تحاشى أن يقول إن هذا الجهاز عيّن مستشارًا لمديره العام مسؤولا سابقًا في قوة الرضوان، وأن الكثير من الخدمات تُقدَّم لفريق الحزب "على عينك يا دولة". وإذا صوّب جعجع على قائد الجيش العماد رودولف هيكل، فهو قال اليسير من الكثير، إلا أن ميزة هيكل، التي يعرفها جعجع ويعرفها كثيرون، هي التزامه بالموقف السياسي اللبناني واقتناعه بأن الرئيس عون يقود السفينة إلى برّ الأمان. وإذا كان وزراء "القوات" قد انسحبوا من جلسة مجلس الوزراء، فالسؤال يُطرح: لماذا لم ينسحب الكتائبيون، ولماذا لم يصرّ الجميع على إحالة فضيحة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي؟ فهل يريد السياديون أن يستغلّ "حزب الله" عدم وحدة الفريق السيادي، فيعيد التاريخ نفسه في شرذمة معارضي "الحزب" ليحقّق ما يريد؟ ما الذي يمنع الجميع من تطويق حزب الله المسلّح حتى يرمي السلاح؟ ولماذا لا يصار إلى تخيير "الحزب" بين دوره السياسي وتسليم السلاح، أو حلّه وحظره؟ لماذا "ما في بالميدان إلا حديدان"، أي جعجع، "بيفشّ خلق" اللبنانيين؟ ولماذا تخضع الدولة للدويلة، ويكسر رئيس مجلس النواب نبيه برّي إرادة السياديين بخبثه وأدواره التمثيلية المكشوفة؟ لقد قالها جعجع اليوم: "يجب اعتقال جميع مسؤولي حزب الله". قالها من دون أن يعبّد طريق بعبدا، لكنه عبّد طريق تحرير لبنان. وإذا أراد المجتمع الدوليّ حقًّا دعم لبنان لإنهاء سلاح "حزب الله" عليه بالضغط بكل قوته على من يتهيّبون "الحزب" ويخافون سلاحه، ويهادنونه في وقت، يهدد فيه الدولة ويتوعّد بالحرب الأهلية ويحدد السقوف. لقد قال جعجع اليوم "صار الوقت "، وكل الطرقات التي تؤدي إلى قيام الدولة تبدأ بـ"حزب الله"! فسلاحه وتهديده وتاريخه ومشروعه وأدواته وارتباطه كلّها كلّها تعيق بناء الدولة. قالها جعجع، لكنّه ترك شعرة معاوية، وهو متوجّس من أن تقطع هذه الشعرة مواقف بعض السياديين، فيُطل "حزب الله" برأسه مجدّدًا شامتًا مهددًا. قالها مجبرًا بعد عشرات الرسائل المتبادلة تحت الهواء مع المعنيين، وبعدما طفح الكيل، وبعدما استشعر أن كثيرين يعوّلون على مخاوفه من إسقاط الحكومة، لكنّهم لا يعرفون أن الحكيم يعرف متى وكيف يقلب الطاولة. فالشارع يغلي، والأكثرية الشعبية تطالبه بالخروج من المركب قبل أن يغرق، وإذا فعلها جعجع، سيُحمل على الراحات، ليس فقط مسيحيًا، بل على مستوى الوطن. لقد قال الحكيم: "القوات ليست شعبوية". لكن يا حكيم، الشعب يريد حزم القوات وصلابتها، لأنها الوحيدة القادرة، بحجم تمثيلها وقدرتها على التأثير محليًا ودوليًا، على كسر منظومة الفساد وحصر السلاح وبناء لبنان الغد. فما يريده الشعب هو ما تريده القوات، والفارق في التوقيت والتكتيك، وكلنا ثقة بأنك خير الفاعلين.