في آخر تظاهرة كبيرة تشهدها دمشق تحضر أيضاً الأجواء الاحتفالية الخاصة بالتغيير في سوريا، فالإعلانات عن فعاليات معرض دمشق الدولي في الإعلام الرسمي يطغى عليها ذلك الاحتفال، حتى أن صورة المعرض بوصفه أصلاً ذا طابع اقتصادي غائبة كلياً. هذه ليست المرة الأولى، فالمهرجانات الثقافية السابقة شهدت أيضاً غلبة الجانب الاحتفالي، وبما لا يفترق جذرياً عن احتفالات عرفها السوريون سابقاً بثورة أخرى هي ثورة البعث، بصرف النظر عن الفوارق الكبرى بين الاثنتين. مع إسقاط الأسد قرر جزء من أنصار الثورة أنها انتصرت، وهذا موضع خلاف، وهناك كثر يرفضون فكرة انتصارها ما لم تنتصر القيَم التي نادت بها حناجر المتظاهرين بدءاً من آذار 2011. واقعياً، هذا ليس بالخلاف الوحيد، فالثورة نفسها لم تكن محل إجماع، وهذا بدوره من سمات كل الثورات عبر التاريخ. ولغاية سقوط الأسد، يمكن الحديث عن ملايين ممن اختاروا السلامة على مغامرة الثورة، وهو حقٌّ إنساني لا ينبغي حجبه بزعم الانتصار للثورة، فالأخيرة يُفترض أن تنتصر لهؤلاء، لا أن تنتصر عليهم. انتصار الثورة يُفترض به أيضاً فتح باب ونوافذ السياسة، لتصير الثورة جزءاً من الماضي، فلا تكون كابوساً حاضراً. استخدام كلمة "كابوس" متعمَّد، مهما بدا صادماً للمتغنّين برومانسية الثورة، ولا يهدف إلى استفزازهم. نزعم هنا أن كابوس الثورة يقضّ مضاجع نسبة كبيرة من المحتفلين بنصرها، ونسبة كبيرة من الذين كانوا خائفين منها، وآثروا السلامة على الاشتراك فيها. إجمالاً، نزعم أن الخائفين من الثورة هم النسبة الأكبر من السوريين، على اختلاف آرائهم ومواقعهم. لعل الإجابة عمّا تسببت به الثورة، خلال عقد ونصف، تذهب إلى ملامسة أسباب الخوف منها. من البديهي أننا لا نتهم الثورة هنا، الحديث هو عن النتائج التي أتى بها الحل العسكري والمخابراتي في مواجهة الثورة. إنه الحل الذي تسبب بمقتلة بشرية لا يجوز أخلاقياً القول إن الزمن كفيل بالتعويض عن ضحاياها، وتسبب أيضاً بأرقام ضخمة من الضحايا الذين خرجوا بإعاقات مختلفة، وبما يزيد عن مئة ألف مفقود بحكم القتلى، من دون أدلة كافية على تفاصيل مآلاتهم. في الشق المادي، هناك الدمار الكبير في البنية التحتية وفي المساكن الخاصة. هناك آثار الدمار على القطاع التعليمي بوجود أجيال جديدة لم تنل تأهيلاً مناسباً، والقائمة تطول مع الذين لم يتلقّوا العناية الصحية المناسبة، من كافة الأجيال، وعواقب ذلك مع الزمن من أعباء اجتماعية وصحية، ومن نفقات إضافية فوق مئات المليارات اللازمة لإعادة البناء. بعد الإيجاز السابق لا بأس بتمرين ذهني بسيط: مَن الذي سيغامر بثورة جديدة لا يُعرف كيف ستُواجَه؟ ولا الثمن الباهظ الذي ربما يُدفع؟ ولا طريقة تعامل المجتمع الدولي معها، والتي من المرجّح أن تكون أقل حماسة مما كان على سيئاته؟ العديد من التساؤلات الأخرى، بعضها يتفرّع من السابقة، وبعضها الآخر من طبيعة مختلفة، يجمع بينها النظر إلى فكرة الثورة بخشية، ما يتضمن تفضيل الاستقرار على مخاطرة غير مأمونة العواقب والنتائج. المشكلة أن معظم السوريين، في وعيهم أو لاوعيهم، لا يتخيّلون طريقة أخرى لممارسة الفعالية السياسية. في التاريخ القريب هناك التجارب الدموية التي تركت آثاراً أوسع وأمضى من تجارب النشاط الحزبي السلمي السري، ولا ثقة معبَّر عنها بأن المرحلة الراهنة تسير قُدماً في اتجاه مغاير للماضي، بل إن جمهور السلطة يرفض أو يتحاشى استخدام تعبير المرحلة الانتقالية، ويسخر من أولئك الذين يستخدمونه، وهذا ما يترك الأبواب والنوافذ مفتوحة على التكهّن بأن زمن التغيير السلمي لم يحن بعد. بصياغة، يكون الارتياب مبرراً فيما يخص الانتقال من الثورة إلى الدولة، فيما لو أخذنا الجانب اللغوي الذي يربط بين الدولة والتداول. لا شك في أن جمهور الموالاة مدفوع أيضاً بخوف من ثورة أو انقلاب على السلطة الحالية، استخدام الكلمات ليس اعتباطياً في هذه الحالة، ولو كان مداوراً. الحديث المستمر عن فلول هو للإيحاء بوجود خطر انقلاب على السلطة، وقد يعكس خوفاً حقيقياً من قبل البعض، وأيضاً حديث مثقفي الموالاة المتواصل عن وجود معارضة "صفرية" أو "عدمية" يصبّ في المنحى نفسه، منحى التخوف والخوف من انقلاب على السلطة، رغم أن المعارضة المعنية ضعيفة، وتقتصر على أصحاب رأي من حقهم أن يكونوا ضد هذه السلطة أو غيرها جذرياً. إذا توخّينا حسن الظن، فما يصدر عن الموالاة نابع من الجذر نفسه؛ من عدم تخيّل مظهر للفعالية باستثناء الثورة أو الانقلاب، أي أن السياسة لم تصبح احتمالاً وارداً بعد. والتخويف هو أولاً من ضريبة الثورة أو التمرّد، وإن اتخذ على السطح شكل التخويف الطائفي، ومحاولة شدّ العصب السُنّي على أرضية الخشية من فقدان السلطة. الأهم أن التخويف بالثورة يستبطن خوفاً حقيقياً لدى شرائح واسعة، بعضها قد يستمرئ الخطاب الطائفي كبديل عن التصر