يتداخل الدمار في الجنوب مع بطء المسار التفاوضي وضغوط الميدان، ويقف لبنان عند مفترق طرق مفصلي يتطلب قراءة هادئة خارج الاستقطاب التقليدي. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الطروحات الداعية إلى نزع السلاح أو فرض واقع جديد بالقوة، يحاول وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية والتحول الرقمي، فادي مكي، تقديم مقاربة توازنية تجعل من الدولة حاضنة للجميع وتسعى لبناء جسور التواصل بين كافة المكونات اللبنانية. في هذا الحوار الخاص مع "المدن"، يتحدث مكي بوضوح عن حدود الضغوط الأمريكية، ومصير المفاوضات المباشرة، وحقيقة المواقف داخل البيئة الشيعية التي دفعَت، ولا تزال، فاتورة باهظة جراء العدوان الإسرائيلي. كما يفكك التعقيدات المرتبطة بملف السلاح، مؤكداً على أهمية "استراتيجية الأمن الوطني" والحوار الداخلي كبديل عن الصدام، وصولاً إلى كواليس العمل الحكومي وتحديات ملف التحول الرقمي. حول هذه المواضيع وشؤونٌ أخرى كان لـِ"المدن" هذا الحوار. أريد أن نبدأ بالخبر الأكثر تداولاً حالياً، هناك معلومات تتحدث عن أن الإسرائيليين أبلغوا الأميركيين بعدم جدوى الاستمرار في المناطق التجريبية. برأيك، هل انتهت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بعد هذا الموقف الإسرائيلي؟ لا أعتقد أن المفاوضات قد انتهت، ما زال هناك مسعى من الراعي الأمريكي ليضغط على الجانب الإسرائيلي حتى يكون أكثر مرونة وأكثر قبولاً بالالتزام، لأن الطرف الذي لم يلتزم هو الإسرائيلي منذ أن بدأنا المفاوضات، سواء من ناحية وقف إطلاق النار أو من ناحية الالتزام بالمناطق التجريبية بعدم الدخول إليها، حيث كانت بعض الخروقات مستمرة إلى حد كبير جداً. لكن في لبنان هناك فريق يقول إن الأميركيين يضعون لبنان كأولوية على طاولة الرئيس الأميركي وأيضاً لدى الإدارة الأمريكية في وزارة الخارجية، لكن هناك فريق آخر يرى أن أميركا حليف لإسرائيل في جميع الأحوال ولن تجدي الضغوط الأميركية نفعاً، وفي نهاية المطاف سينفذ الإسرائيليون ما يريدونه. دعني أختلف معك. هذا الأمر صحيح إذا نظرت إليه بأسلوب أبيض وأسود، فنعم أميركا حليفة لإسرائيل، ولن يحدث تغيير بين ليلة وضحاها، والتغيير لا يحدث بشكل قطعي كأن يتحوَّل الأبيض إلى أسود فجأة، الأمر يحدثُ بالتدريج. وإذا واكبتَ ما يحدُث، سواء على مستوى الرأي العام الأميركي أو على مستوى التحول في موقف الإدارة الأميركية. ترى أنّ عدة أطراف داخل الإدارة فإذا رأيت هذا التفاهم، ولو بدرجة أكبر وإن لم يتحول بشكل كامل لتفاهم للموقف اللبناني، إلا أن هناك مسعىً أكبر لدعمنا والضغط على إسرائيل للمضي قدماً في التقديم والتطبيق بحسن نية للاتفاق الذي لم يحصل حالياً. ولكن ما أريد قوله إنه حتى على مستوى الرأي العام هناك تغيير كبير جداً معادٍ لإسرائيل لم يكن كذلك قبل سنتين. هذا التغيير يجب أن نستفيد منه، وتغير كبير على مستوى الرأي العام الدولي يجب أن نستفيد منه، وتغير على مستوى دعم الحكومة اللبنانية بشكل لم يحدث سابقاً من الإدارة الأمريكية يجب أن نستفيد منه. وكل هذه الأمور للأسف تتطلب وقتاً، ولن يكون التحول كما ذكرت بين ليلة وضحاها. وللأسف نحن لا نملك رفاهية الوقت، وبالتالي نحن المتضررون في هذا الوقت الذي توجد فيه ضغوط وتجري فيه مفاوضات، والعملية بطيئة، وهناك انتخابات وحسابات انتخابية، وكل هذا للأسف ليس في صالحنا. ولكن هل لدى لبنان خيار غير المفاوضات؟ يعني لماذا ذهبنا إلى المفاوضات المباشرة؟ البعض يقول: ألم يكن من الأجدى أن يكون لبنان جزءاً من المفاوضات الأميركية الإيرانية؟ بحيث يغطي الجانب الإيراني موقف لبنان أو يدفع بملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع موضوع مضيق هرمز أو خيارات أخرى غير التفاوض؟ لدي نقطتان حول هذا الموضوع. أولاً، نحن رحبنا، وليس صحيحاً أننا كنا معارضين لهذا المسار، الأمر هو العكس رحبنا بأي مسار يؤمن وقف إطلاق النار، ويضمن الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، ووقف الأعمال العدائية، وإعادة الإعمار، كل هذا نرحب به، وهذا ما حدث. لكن إذا نظرت إلى ما حدث مؤخراً، فربما يظهر بشكل أو بآخر أنه كان من الأفضل لو استمررنا بالمفاوضات لأنّه ربما كان بإمكاننا الاستفادة بشكل أكبر من المفاوضات الجارية على مسار إسلام آباد. قدر الله وما شاء فعل، ولا زلنا، وفق ما أعتقد، قادرين على الاستفادة بطريقة أو بأخرى، ولكن هذا لا يلغي ضرورة وجود مفاوضات لدينا للاتفاق على التفاصيل التي لا يلتزم بها العدوان الإسرائيلي، وهو من يصعّبها، وإذا نظرت إلى أفعاله تجد أنه غير راغب في الانسحاب. وكل شيء يدل إلى أنه يصعب عملية إنهاء هذا الصراع، ربما لأطماع لديه، أو أنه يفضل إنشاء منطقة عازلة (Buffer zone)، وكل هذه الأمور تثير قلقنا وتجعلنا نلجأ للخيار الدبلوماسي والدعم الدولي والضغط من كل الأطراف، وتحديداً أصدقاء لبنان الذين يمكنهم د