في الظاهر، لم تكن إسرائيل بحاجة إلى مفاوضات أصلاً. كانت قد أضعفت حزب الله عسكرياً، وفرضت واقعاً أمنياً جديداً على الحدود، وبات بإمكانها الذهاب إلى انتخاباتها بسردية المنتصر. نهاية الحرب لم تكن تعني نهاية الصراع. كان يمكن أن تتوقف المعارك في لبنان فيما يبقى الصراع مفتوحاً وقابلاً للتجدد في لبنان أو في ساحة أخرى. وإذا كانت إسرائيل تريد تقديم الحرب باعتبارها لحظة غيرت وجه المنطقة، فوقف القتال وحده لم يكن كافياً. المكاسب العسكرية وحدها لم تكن كافية لإنتاج تغيير سياسي وأمني أوسع في ميزان القوى، وإلا سيبقى الحديث عن شرق أوسط جديد أكبر من النتائج الفعلية للحرب. اكتسب المسار الأميركي الإيراني أهمية خاصة في هذا السياق. ففي 17 حزيران/ يونيو، نصت مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وعلى الدخول في مفاوضات تمتد 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق أوسع، وكانت ملفات مثل البرنامج النووي والعقوبات وفتح مضيق هرمز في صلب ذلك المسار. فتح ذلك احتمالاً مختلفاً لنهاية الحرب في لبنان: كان يمكن أن يأتي وقف إطلاق النار من ضمن التسوية الأميركية الإيرانية، بدل أن يكون نتيجة لمسار لبناني إسرائيلي منفصل يربط نهاية الحرب بشروط تتعلق بوضع حزب الله داخل لبنان. كان لهذا الاحتمال أثر واضح في حسابات إسرائيل، لأن إيران لم تكن طرفاً بعيداً عن الملف اللبناني. حزب الله حليفها الأساسي في لبنان، وطهران كانت معنية بالحفاظ على موقعه وقدرته على البقاء لاعباً سياسياً وعسكرياً. ومع بدء مهلة الستين يوماً، ظهر تحليل سياسي مفاده أن إيران قد تسعى، في المفاوضات اللاحقة، إلى وضع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان على طاولة التسوية، خصوصاً أن الانسحاب كان مطلباً أساسياً لدى حزب الله. ولم يبق هذا الاحتمال مجرد تحليل: أعلنت طهران أن انسحاب إسرائيل من لبنان شرط لإنهاء الحرب، ورفضت إسرائيل هذا المطلب. كان من الممكن أن تستعيد إيران عبر التفاوض ما خسره حزب الله في المعارك. فإذا أفضت المفاوضات إلى انسحاب إسرائيلي من لبنان، فإن جزءاً من المكاسب التي حققتها إسرائيل ميدانياً على حساب الحزب كان سيستعاد تفاوضياً. وكان ذلك سيغير معنى الحرب بالنسبة إلى إسرائيل: بدل أن تنتهي المواجهة ضمن تسوية إقليمية فحسب، كان من الممكن أن تنتهي باتفاق تستعيد فيه إيران وحزب الله جزءاً من المكاسب التي حققتها إسرائيل عسكرياً. لذا، فإن فصل الملف اللبناني عن المسار الأميركي الإيراني لم يكن مجرد خيار تفاوضي، بل وسيلة لإبقاء إمكانية تحويل النتائج العسكرية للحرب إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقلة عن التسوية الإقليمية. وهذا ما ظهر لاحقاً في الإطار الذي أعلن في 26 حزيران/يونيو، إذ وضع مساراً تدريجياً للانسحاب الإسرائيلي، وربط تنفيذ مراحله بتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في المناطق التي ينسحب منها، وبعملية نزع سلاح الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله. المسألة لم تكن إسرائيلية فقط. جزء من النخبة اللبنانية نظر إلى الحرب من زاوية مختلفة، وكانت هناك رغبة حقيقية في إنهاء النفوذ المسلح لحزب الله واستثمار اللحظة التي أضعفت موقعه عسكرياً وسياسياً. هذا المزاج لم يكن بحاجة إلى اختراع، الحرب خلفت دماراً وخسائر ونزوحاً، وأنتجت غضباً تجاه نتائجها ودور حزب الله فيها. ما فعله جزء من النخبة هو تحويل هذا المزاج إلى اتجاه سياسي، فتسوية إقليمية تنهي الحرب كان يمكن أن تترك الحزب مثقلاً بالخسائر، لكنه يبقى لاعباً أساسياً داخل النظام اللبناني. وكان ذلك مهماً لأن حزب الله، رغم الضربة التي تلقاها، لم يخرج من الحياة السياسية اللبنانية. تسوية إقليمية تنهي الحرب كانت ستتيح له تقديم النهاية لجمهوره بوصفها ثمرة لمسار تفاوضي شاركت فيه إيران، لا نتيجة لشروط فرضت عليه داخل لبنان. اكتسب المسار الإيراني بهذا وزناً سياسياً بالنسبة إلى خصوم الحزب أيضاً: حزب الله رفض اتفاق الإطار والمناطق التجريبية منذ طرحهما، وربط انخفاض مستوى الاعتداءات الإسرائيلية بالدور الإيراني ومذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، في وقت أكد فيه تمسكه باتفاق 27 تشرين الثاني 2024 تحت سقف القرار 1701. سياسياً، يعيد ذلك إلى الواجهة حقيقة أن طريقة إنهاء الحرب لم تكن بالنسبة إلى الحزب مسألة لبنانية تقنية منفصلة عن المسار الإقليمي. لا يعني ذلك أن الحزب كان سيستعيد قوته السابقة بالضرورة، ولا أن المسار الإيراني كان سيقوده حتماً إلى نصر سياسي، لكنه كان احتمالاً حاضراً في الحسابات السياسية، وكان من مصلحة خصومه ألا تنتهي الحرب بطريقة تمنحه هذه المساحة. من هنا يمكن فهم الخطاب الذي رافق فصل المسارين داخل لبنان. قدم الفصل باعتباره استعادة للسيادة اللبنانية وإخراجا للقرار الوطني من النفوذ الإيراني، وكان لهذا الخطاب جمهوره خصوصاً بعد الحرب. لك