على وقع الاجتماعات العسكرية اللبنانية ـ الإسرائيلية التي كانت منعقدة في مقر القيادة المركزية في فلوريدا، كانت إسرائيل تستبيح سماء لبنان بتحليق غير مسبوق لطيران الاستطلاع في بيروت، وتواصل اعتداءاتها على جنوب لبنان. وفي موازاة الخروقات العسكرية، كانت تل أبيب تصعّد سياسياً، وتحدّد أسس أي اتفاقات جديدة. فوزير أمنها يسرائيل كاتس أكد إقامة منطقة أمنية إسرائيلية داخل لبنان على مساحة ٧٠٠ كيلومتر، وأن قواته لن تنسحب قبل نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان. في الموازاة، نشر الاحتلال الإسرائيلي فيديو زائفاً، متهماً فيه الجيش اللبناني بالتقصير في القيام بمهامه في جنوب الليطاني، ردّ عليه الجيش بإسهاب، داحضاً كل الادعاءات الإسرائيلية. وبذلك يكون الجانب الإسرائيلي قد رسم قواعد أي مباحثات مع لبنان على أبواب الانتخابات البرلمانية. خلافاً لما أُشيع سابقاً عن مقاطعة إسرائيلية محتملة لاجتماعات تامبا، جلس الوفدان العسكريان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة الراعي الأميركي في السينتكوم، وفقاً للمواعيد المحددة. وفيما نفت مصادر عسكرية أن يكون لبنان قد خفّض تمثيله عبر تقليص عدد ضباطه المشاركين في الاجتماع من ٧ إلى ٣، كما تردّد، تقاطعت المصادر العسكرية والسياسية المعنية على أن الجيش، كما رئيس الجمهورية، يرفضان خلق أي آلية تنسيق مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال وأعمال التجريف. فلبنان الرسمي متمسّك بموقفه، وهو مواصلة المسار التفاوضي، لأنه السبيل الوحيد لوقف الحرب، كما عبّر رئيس الجمهورية أمام وفد كنسي، شرط أن يكون هذا المسار تحت كنف الإدارة الأميركية التي لا تزال راعية له. وفيما لم تتبدّل الثوابت التي ينطلق منها لبنان، وهي الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار وعودة النازحين، يؤكد مصدران سياسيان لـ"المدن" أنه لا يمكن وصف ما يحصل في تامبا بالمفاوضات، بل هو نقاش أو عرض للواقع، كانت سلبياته أكثر من إيجابياته. في هذا الإطار، تضيف المصادر السياسية أن جزءاً أساسياً من اجتماعات تامبا خُصّص لاستكمال البحث في المفردات العسكرية وتفسيرها، بهدف التوصل إلى صيغة مشتركة، وهي إحدى النقاط الحساسة والمركزية للمضي قدماً في أي اتفاق أمني لاحق. أما القول إن ما يجري لا يُعدّ مفاوضات، فسببه أن أي تفاوض، حتى يكون عملياً، يجب أن يترافق مع مفاوضات على المستوى السياسي، الذي يعود إليه القرار النهائي. وهذا الأمر معلّق اليوم، لسبب بات معروفاً، وهو الانتخابات الإسرائيلية. فمعركة نتنياهو تقوم بشكل أساسي على أمن شمال إسرائيل، وهو يريد شراء الوقت إلى حين انتهاء الاستحقاق، بحسب المصادر عينها. بمجرد اختيار مقر القيادة الوسطى الأميركية لاستضافة المباحثات اللبنانية ـ الإسرائيلية، رغم جمود المسار السياسي، فهذا يعني أن واشنطن مصرّة على استكمال المفاوضات رغم صعوبتها. وفقاً لمصادر متابعة لاجتماعات تامبا، كان النقاش يدور حول تصوّر وضعته واشنطن، التي اقترحت في اجتماع روما ٢ مهلة ستين يوماً لوضع تصورها الذي يأخذ بعين الاعتبار ملاحظات الطرفين. وهنا تشرح المصادر عينها أن التصور يلحظ كيفية إعادة انتشار الجيش اللبناني، وعلى أي أساس، والمناطق التجريبية، ومن أين تبدأ المرحلة الثانية، وطريقة تفتيش الممتلكات الخاصة، وكيفية التحقق ومصير السلاح الذي تتم مصادرته، أي هل يُتلف أم لا. كلّ هذه الإشكاليات وغيرها يلحظها المقترح الأميركي الذي يحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين وإيجاد أرضية مشتركة. ليبقى السؤال: ما مصلحة الأطراف الثلاثة في الذهاب إلى اجتماعات لا تعويل عليها منذ الأساس؟ تقول مصادر سياسية لـ"المدن" إن إسرائيل وافقت على الانضمام إلى الاجتماع إرضاءً للأميركيين، طالما أنها غير ملزمة بتقديم أي تنازل ولم تتعهد بأي خطوة مسبقة. أما لبنان، الذي لا يملك أي حل بديل في الأفق، فمتمسّك باتفاق الإطار الذي يشكل المتنفّس الوحيد بالنسبة إليه في حال تطبيقه بكل مندرجاته من قبل الطرفين. من جهتها، تتمسك الولايات المتحدة برعاية المباحثات رغم تعثرها، لأنها تؤسس للمرحلة المقبلة. إسرائيل تهدّد ولبنان تلقّى الرسالة لم يعد خافياً على أحد حجم الخطر الذي يحيط بلبنان، في لحظة سياسية إقليمية مفصلية. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يخوض معركته الانتخابية بورقتين أساسيتين: إيران وحزب الله من بوابة أمن الشمال. في الملف الإيراني، يحاول دائماً تصوير نفسه وكأنه المدافع الأول عن أمن إسرائيل في وجه الخطر الإيراني، وأن طهران لن تمتلك سلاحاً نووياً طالما أنه في الحكم. أما الملف اللبناني فهو جزء أساسي من دعايته الانتخابية، وهو ما دلّت إليه آخر منشوراته المولّدة عبر الذكاء الاصطناعي التي تحاكي لحظة اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله